يسعى هذا الكتاب في تحليل المفاهيم وتقديم الحلول للمشاكل الفلسفية من خلال استخدام مفهوم المستقبل، وهذا هو الاتجاه السوبر مستقبلي، أما المستقبلية فهي التي تدرس المستقبل من خلال ما هو قائم في الحاضر والماضي بين السوبر مستقبلية تدرس الحاضر والماضي من خلال الم
هذا ما يناقشه الباحث اللبناني حسن عجمي في كتابه "السوبر مستقبلية ـ الكون والعقل واللغة" الصادر عن دار بيسان للنشر والتوزيع والإعلام في بيروت وفي تعريفه للعلم الذي يحلله، يقول الباحث: "يبدأ التاريخ من المستقبل، بل يبدأ كل شيء من المستقبل.
فلسفة المستقبل أي السوبر مستقبلية هي العلم الذي يحلل المفاهيم ويفسر الظواهر من خلال مفهوم المستقبل والحجة المعرفية وراء هذا العلم هي التالية : المستقبل هو الذي يحدد جواهر الأشياء.
لا توجد جواهر أو ماهيات للأشياء في الماضي أو الحاضر، لكن كل شيء يتخذ ماهيته من المستقبل أي مما سوف يؤول إليه الماضي والحاضر غير محددين بل المستقبل فقط محدد الآن، بما أن الأشياء تكتسب ماهياتها في المستقبل وبفضله، إذن لابد من تحليلها وتفسيرها من خلال المستقبل.
هكذا تبنى السوبر مستقبلية على أرض صلبة قادرة على فتح مجالات بحث جديدة هذا النموذج الفكري يقدم أدوات بحث جديدة مما يساهم في قيام أبحاث ونتائج جديدة، فهو ينادي إلى استخدام مفهوم المستقبل في التحليل والتفسير كما يؤكد على أن لا ماهيات ولا معان سوى في المستقبل.
ومن بين الأمثلة التي يعطيها للبرهنة على هذه النظرية العلمية عبارة المعنى في الماضي والحاضر، لكن معناها سوف يحدد في المستقبل لأن البحث العلمي جار من أجل تحديد معناها من خلال تقديم تفاسير علمية لميكانيكا الكم هذا دليل آخر على أن المستقبل هو صاحب المعاني، هو الذي يحدد معاني العبارات والمفاهيم.
ذلك أن السوبر مستقبلية تقول إن أي نظام فكري أو خطاب أو حدث تاريخي أو فردي يتشكل في المستقبل ويعتمد في وجوده على المستقبل وتواجه السوبر مستقبلية اتجاهين فلسفيين معارضين لها.
الاتجاه الأول يقول إن أي نظام فكري أو أي خطاب يبنى على أسس عقلانية كالمسلمات العقلانية، والاتجاه الثاني يدعي أن نظام أي فكري معتمد في العقلانيات، وبما أنه حسب الباحث يمكن المشاركة وقبول كون العقلاني هو المضبوط بأصل وأصول معينة، إذن من المتوقع عدم وجود أي خلاف بيننا، لكن نجد أن الخلاف والاختلاف يحدثان بيننا، من هنا الاتجاه الأول يفشل.
أما إذا كان أي نظام فكري معتمدا على اللاعقلانيات، ومن الممكن وجود لا عقلانيات لامتناهية أي أفكار لا عقلانية لامتناهية كون اللاعقلاني لا يحكم بأي أصول، إذن من المتوقع وجود اختلاف دائم بيننا، لكن طبعا لا يوجد الاختلاف والخلاف دوما بيننا، ففي بعض الأوقات نتفق وفي أوقات أخرى نختلف، من هنا يفشل الاتجاه الثاني ويخلص الباحث إلى أن فشل هذين الاتجاهين يدعم صدق السوبر مستقبلية وبالنسبة إلى السوبر مستقبلية، أي نظام فكري أو خطاب يبنى أو يتشكل في المستقبل.
ويعتمد على المستقبل، إذن صفاته كافة تتكون في المستقبل وبذلك صفة كونه عقلانيا أم لا وعلميا أم لا تتشكل في المستقبل فقط، وبذلك من غير المحدد في الحاضر والماضي ما إذا كان النظام الفكري أو الخطاب عقلانيا أم لا وعلميا أم لا.
وبما أنه من غير المحدد ما إذا كان النظام الفكري أو الخطاب عقلانيا أم لا وعمليا أم لا في الحاضر والماضي، إذن من المتوقع أن ما يعتبر نظاما فكريا عقلانيا في فترة زمنية ما سوف يعتبر لا عقلانيا لاحقا أو في فترة زمنية أخرى والعكس صحيح، وما يعتبر نظاما فكريا علميا سوف يعتبر غير علمي لاحقا أو في فترة زمنية أخرى والعكس صحيح.
وفي دراسته هذه استخدم الباحث حسن عجمي مفهوم "المستقبل" كآلية فكرية في تحليل المفاهيم وتفسير الظواهر وحل المشاكل الفكرية بالنسبة إلى المذهب السوبر مستقبلي الذي يدعو له الباحث، المستقبل يملك حل معظم المشاكل الفلسفية إن لم يكن كلها، ففيه تتشكل الماهيات ويحدد العالم.
وتقول السوبر مستقبلية إن الحقائق والمبادئ الصادقة هي التي سوف نكتشفها في المستقبل وبما أن المستقبل منفتح على زمن غير محدد أو لامتناه، لذا سوف يستمر البحث العلمي الذي يحاول كشف الحقائق والمبادئ الصادقة، واستمرارية البحث فضيلة.