زكريا موسوي

قصة رجل من عذاب وعصاب وإرهاب

الأحد 07 ماي 2006 - 15:28
زكريا موساوي

قالت عائشة الوافي، والدة زكريا موسوي، بعد صدور الحكم بالسجن المؤبد على ابنها "دفنوا طفلي وهو حيا هذا ظلم، لا أشعر بشيء الآن، أنا ميتة إنه اسوأ شيء يمكن أن يحصل لأم، أن تعيش وابنها مدفون في سجنه".


وقالت أخته "كانوا يبحثون عن ضحية، فعثروا على زكريا مع أنه كان في السجن لحظة التفجيرات الإرهابية، التي ضربت الولايات المتحدة الأميركية كيف نصدق أنه مسجون، وأنه مدان بسبب تفجيرات كان بعيدا عنها؟".

قال أخوه عبد الصمد موسوي المهندس الإعلامي، الذي يعيش في فرنسا "لقد حاكموه على أقواله، وليس على أفعاله إن زكرياء بسيط في تفكيره، وخلال سنوات اعتقاله جعلوا منه متهما ومجرما، ومسؤولا عن التفجيرات، التي استهدفت أميركا، لقد خلقوا منه بطلا من وهم إلى حد بدأ يشعر أنه مسؤول فعلا عما وقع".

قبل سنة، وبعد زيارة عائشة الوافي لابنها في سجنه، قالت "لقد أوصلوه إلى الحد الذي يمكن له أن يعترف بأي شيء، أظن أنه سيعترف لهم بأشياء لا علم له بها، إنه ابني، وأعرف التغييرات، التي طرأت على تفكيره في السجن، إنه يشعر بأنه انتهى، وهذا كاف ليتغير فيه كل شيء".

قبل سنة وأمام دهشة موكليه، اعترف زكريا موسوي علنا بانتمائه إلى تنظيم القاعدة الإرهابي، وأنه كان يفترض ان يشارك في عملية أخرى وأنه جاء إلى الولايات المتحدة للمشاركة في مخطط يقضي باستخدام طائرة كسلاح دمار شامل.

"لقد تدربت على قيادة طائرة 747 لمهاجمة البيت الأبيض، بل أكثر من ذلك" قال خلال محاكمته إنه كان من المفترض أن يقود طائرة مختطفة خامسة ليفجرها في البيت الأبيض وذلك بمساعدة الإنجليزي ريتشارد ريد الذي كان قد عثر على قنبلة مخبأة في حذائه عندما ألقي القبض عليه.

وعبر فيها عن أسفه لعدم سقوط عدد أكبر من القتلى في هجمات 11 سبتمبر 2001، وشعوره بالإحباط لعدم تنفيذ المزيد من الهجمات"كان الاعتقاد السائد قبل اعتراف زكريا أن بين يدي القضاء الأميركي شخص لا علاقة له بالتفجيرات، وأن التحقيقات معه لم تفض إلى أي نتيجة تؤكد علاقة الرجل بالتهم الموجهة له، وأن أميركا وبعد سنوات على اعتقال زكريا عجزت عن فك خيوط ما وقع، فهو المعتقل الأول والأخير، ولن تفضي قصة التحقيقات معه إلى أي نتيجة تذكر، لكن بشكل مفاجئ اعترف زكريا، مما أوقع المحققين والمحلفين ومحاميي زكرياء في استغراب ودهشة وشكوك، لمم تقطع حبل المشكلة، ولا وقفت سيل التساؤلات، وإن كانت انتهت قضية بالشكل الذي انتهت به، وخلصت منها أميركا إلى القول "لديها أول متهم في الاعتداءات الإرهابية التي ضربت أميركا"، والواقع أن بين يديها الآن المتهم الأول، المحكوم عليه بالسجن المؤبد، وربما سيكون الوحيد.

بعض المتابعين للقضية قالوا إن زكريا أنهى قضيته بنفسه، وآخرون قالوا إنه أول متهم يحاكم في الولايات المتحدة بتهمة الضلوع في اعتداءات 11 سبتمبر وقال الرئيس بوش إن قرار هيئة المحلفين يمثل نهاية محاكمة موسوي، التي تعني نهاية هذا الملف "وليس نهاية الحرب على الإرهاب".

أما رودولف جولياني رئيس بلدية نيويورك وقت وقوع الانفجارات، انه كان يفضل لو تم إصدار عقوبة إعدام بحق موسوي، لكن قرار هيئة المحلفين يظهر للعالم قيمة النظام القضائي الأميركي، وعموما، "لقد فازت أميركا هذا المساء".

كان زكريا موسوي خلال جلسات الحكم التي انطلقت قبل ثلاثة أشهر، يؤكد أن ثقته كبيرة في الرئيس بوش، الذي سينصفه في نهاية المطاف، ولم يعرف محاموه، ما كان يقصده بالإنصاف.

وكتب مرة لأحد محاميه "أعرف أن الرئيس بوش لا يريد الضرر لي ولا لنفسه أو لأميركا، ولذلك أثق فيه كثيرا" وخلال جلسات الحكم، كان موسوي، يبدو غير مهتم بما يجري ويقال بشأنه في المحكمة، كان يعبث بلحيته الكثيفة والكثة، وفي الجلسات الأخيرة قبل النطق بالحكم، كان يتمتم بكلام غير مفهوم، وأحيانا يسب القضاة، وبقي على هذه الحال إلى حدود الجلسة الأخيرة، وفي لحظة النطق بالحكم لم تبد عليه أي تغيير، كانت ملامح وجهه توحي بالهدوء، وحتى عندما، وقفت القاضية برينكيما للنطق بالحكم، ظل مسورا بالهدوء نفسه، وحين تلت الحكم عليه بالسجن المؤبد بدا عليه الاسترخاء، وكأن أفضل بكثير من الحكم بالإعدام الذي لم توافق عليه هيئة المحلفين بالإجماع .

قبل مغادرة قاعة محكمة ألكسندريا الفدرالية بولاية فرجينيا، هتف موسوي وهو يصفق بيديه "خسرت يا أميركا وأنا ربحت" وعلق أحد محاميه "قلنا من قبل إن الرجل مريض عقليا" وقبل ذلك، كان تصرفه الغريب يثير شكوكا حول سلامته العقلية وفي زنزانته كان يكتب رسائل يهين فيها القاضي المكلف قضيته وكذلك محاميه والذين وصفهم بانتظام بـ "مصاصي الدماء"مستخدما في بعض الأحيان كلمات غريبة أو رسوما.

وكان محاموا الدفاع قد جمعوا العديد من الشهادات من خبراء عايدوا زكريا موسوي وأكدوا أن الرجل مصاب بمرض جنون العظمة كما ثبتت عنه شهادات تؤكد أنه شخص كاذب، وأنه يحاول معرفة ما يقال عنه في الصحافة، ومن بين هذه الشهادات واحدة قال فيها للطبيب الذي زاره"إذا أعدموني سأصبح شهيدا، وهذا ما أسعى إليه" سأله الطبيب، ماذا تعني بالشهادة؟ أجابه موسوي، هي أن أدخل الجنة، وقبل ذلك أصبح مشهورا في العالم قال له الطبيب : لكنك الآن مشهور في العالم أجاب موسوي : هذا لا يكفي
وفي شهادة لطبيب آخر، قال له موسوي : "إنني غير آسف على ما حدث وأتمنى لو كان هناك 911 كل يوم .

معنى هذا أنك كنت تعرف بالتفجيرات من قبل، سأله الطبيب؟ أجابه موسوي : نعم، كنت أعرف ذلك، وكنت أتمنى أن أقود الطائرة الخامسة لتفجير البيت الأبيض سأله الطبيب، وهل تشعر بالندم لما وقع؟ أجاب موسوي، لا أبدا، وأن شهادة أقارب ضحايا الهجمات أمام المحكمة لا تعنيني، وإن كانت "مقززة".

كما أكد الطبيب النفسي اكسافير أمادور، عضو هيئة التدريس بجامعة كولومبيا، درس حالة زكريا موسوي، لمدة أربع سنوات، أن موسوي مريض نفسيا، يعاني انفصاما في الشخصية، وجنون العظمة وقد عقد مقابلات مع موسوي، وفحص نماذج من كتاباته وخلص إلى النتائج نفسها التي توصل إليها خبراء آخرون في انفصام الشخصية حول حالة موسوي.

وقال أمادور إن الأشخاص المصابين بانفصام الشخصية يمكن أن يتمتعوا بالفصاحة اللغوية، مثلما بدا موسوي، عند مثوله مرتين للشهادة أمام المحكمة وتصيب أعراض انفصام الشخصية، مثل الأوهام والهلوسات، ما يقرب من واحد في المائة من سكان العالم، ويعتقد نصف المصابين أنهم غير مرضى، وفقا للشهادة التي أدلى بها أمادور
وقال أمادور إن أسباب المرض وراثية، وإذا كان أحد الأبوين أو الأشقاء مصابا به، فإن فرص إصابة الشخص به تزداد .

والحال أن زكريا موسوي المولود في سان جان دي لوز بجنوب غرب فرنسا، من أبوين مهاجرين من المغرب، عاش طفولة تتسم بعدم الاستقرار، حيث تعرضت والدته إلى اضطهاد وأنتهى أمرها إلى الانفصال عن والده وقد أثر ذلك على باقي أفراد العائلة، إن شقيقتي موسوى كانتا تعانيان من الأمراض النفسية، وأن الأبناء الثلاثة عولجوا في المستشفيات من أمراض واضطرابات نفسية.

أما عن زكريا فقد عانى كثيرا وهو طفل بعد انفصال والديه، حيث أودعته والدته في ملجأ مع شقيقه عبد الصمد لمدة خمس سنوات، وتربيته مع شقيقتين تعانيان من اضطرابات نفسية.

ولأن الطفل زكريا لم يكن لا معا في دراسته، بسبب ظروف عائلته، وانتقاله الدائم من ملجإ إلى أخر، لم يسمح له بالالتحاق بالمدرسة الثانوية ووجد نفسه مضطرا إلى التردد على مجموعة من معاهد التعليم المهني وقد ازداد إحساسه بالاضطهاد والدونية، وتطور معها إحساسه بعنصرية الفرنسيين، فقررمغادرة فرنسا في اتجاه لندن.

ويقول عبد الصمد موسوي شقيق زكريا، إن أخوه كان يشعر بالخيبة والفشل في فرنسا كونه من اصول مغربية ومسلم ويشكو لاخيه انه ضحية التمييز العنصري
كان يريد أن يبتعد عن فرنسا أن يعيش في لندن المدينة المتعددة الهويات، والمناسبة لمغامراته.

ولم يتوقع احد ان يؤدي البحث عن المغامرة به إلى التورط في الإرهاب الدولي، وقد يكون سبب هذا التحول الطبيعة القلقة لزكريا موسوي التي جعلت منه فريسة سهلة لدعاة التطرف الذين التقاهم أقام موسوي في التسعينيات من القرن الماضي في لندن وسط حي المهاجرين في بريكستون.

ودرس التجارة وكان يتردد على المساجد حيث تتركز أوساط الإسلاميين المتطرفين المقربين من اسامة بن لادن وقالت والدته انه في ذلك الحين "خضع لغسل دماغ حقيقي"
تغير موسوي في وقت قياسي في لندن، أصبح ملتحيا، مهتما أكثر بالانتماء إلى المجاهدين في أفغانستان والشيشان، قبل أن يتمكن عام 1997 من التوجه إلى قندهار مهد حركة طالبان حيث مكث سنتين.

ويقال إنه أصبح يكنى وسط المجاهدين العرب الأفغان باسم "ابن عمر الصحراوي"، ويقال أيضا أنه صار على اتصال بمسؤولي القاعدة وباسامة بن لادن نفسه، وإن كان أحد مسؤولي تنظيم القاعدة خالد شيخ محمد أحد المخططين الرئيسيين لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر قال عن موسوي، إنه شخص لا يمكن الوثوق به.

ومن أفغانستان وصل موسوي إلى الولايات المتحدة في 23 فبراير 2001، حليق الرأس، وبلحية قصيرة جدا حاملا تأشيرة دخول كطالب و35 ألف دولار وقد تسجل في معهد طيران في نورمان باوكلاهوما وبما انه لم يظهر كفاءة عالية رفض المدربون قيامه بالطيران وحيدا
وفي المسجد المحلي، تميز بأصوليته حيث كان يقول إن رياضة كرة القدم على سبيل المثال تتعارض مع الإسلام.

ثم غادر إلى ولاية مينيسوتا وتسجل في شهر غشت2001 في معهد طيران اخر حيث تابع دروسا حول قيادة طائرة "بوينغ747"وعرض دفع تكاليف تدريبه البالغة ثمانية آلاف دولار نقدا لكن بسبب حماسه وفضوله الزائد قام مسؤولو المعهد بالإبلاغ عنه لدى السلطات
وبعد ان انتهت مدة تأشيرة الدخول، اعتقلت اجهزة الهجرة موسوي.

واستجوبه مكتب التحقيقات الفدرالي (اف بي آي) لكنه لم يعترف بأي شيء، واقتصرت التهمة الموجهة له على دخوله أميركا بطريقة غير شرعية وهو في السجن ضربت أميركا في عقر دارها لأول مرة، وتبنى تنظيم القاعدة مسؤولية التفجيرات.

بدأ التحقيق حول هويات الأشخاص العرب الذين كانوا يتلقون دروسا في الطيران بالمعاهد الأميركية، وقد تم جمع ثلاثة عشر اسما، كان من بينها زكريا موسوي، إضافة إلى اعترافات شخص إماراتي يدعى أحمد ثابت، فعقب إلقاء القبض عليه اعترف باسم زكريا موسوي، وكان ما زال في السجن بولاية مينيسوتا، كان ذلك في شهر غشت من عام 2001، ومن ذلك اليوم بدأت قصة رجل، انتهت بالحكم عليه بالسجن المؤبد، وإن كانت علامات استفهام كبيرة تحيط بقضيته.

أيكون متهما حقيقيا، ام مجرد ضحية استثمرت لإغلاق قضية سخرت من أجلها ملايين الدولارات لتنتهي بالشكل الذي انتهت به، ام أنه رجل كاذب مدعي، أحاط نفسه بوهم الزعامة والبطولة لردم ودفن طفولة شاقة مقهورة ومريضة.




تابعونا على فيسبوك