حطم التواطؤ البريطاني الواضح في العملية العسكرية التي قامت بها إسرائيل مؤخرا ضد سجن أريحا كل المزاعم والتبريرات الخاوية التي أسست لأسطورة خادعة دامت لسنين طويلة، بنت عليها بريطانيا سياستها الخارجية أمام العالم.
وما من شك في أن حجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل المزعومة لم تكن سوى غيض من فيض الأكاذيب والتلفيقات التي لجأت إليها الحكومة البريطانية لتبرير مشاركتها في غزو العراق.
زعم باطل آخر يتجسد في كون لندن شريك جدي ومحايد في عملية السلام بالشرق الأوسط وأنها تبذل كل ما في وسعها للتأثير على واشنطن من أجل الضغط على إسرائيل لعقد اتفاقية سلام حقيقية مع الفلسطينيين.
والآن، وبعد أن أصبحت فرص السلام واهية جدا إلى حد الاندثار عقب تسلم حركة حماس السلطة وردود الأفعال السلبية من قبل تل أبيب وواشنطن والاتحاد الأوروبي لهذا النجاح الديمقراطي الذي لا يتماشى مع أهوائهم، لم يعد هناك من شك في أن بريطانيا صارت أبعد ما تكون مما تدعيه من حسن النية والعمل لصالح سلام عادل في المنطقة
لنعطِ بعض الدلائل القاطعة إذن.
منذ تولي أرييل شارون زمام السلطة في إسرائيل سنة 2001، صدَّرت بريطانيا حوالي 70 مليون جنيه إسترليني من المعدات العسكرية إلى إسرائيل السنة الماضية لوحدها شهدت تشكيلة متنوعة وغنية من تلك المعدات، شملت تقانات عالية ومعدات خاصة بالطائرات الحربية وصواريخ أرض أرض المتطورة، إلى جانب كميات كبيرة من العربات المصفحة، والأسلحة الرشاشة، وقطع غيار الدبابات والمروحيات، والقنابل المسيلة للدموع، وأشكال متنوعة من القذائف والمتفجرات وقاذفات الصواريخ المحمولة.
وقد تجسد عن العلاقات الحميمة التي تجمع بين لندن والجيش الإسرائيلي تأسيس شركة إسرائيلية تدعى "إلبيت سيستمز"، والتي حصلت على صفقة من وزارة الدفاع البريطانية بقيمة 317 مليون جنيه إسترليني.
وينص العقد المبرم بين الطرفين على تطوير وتجريب صاروخ إسرائيلي مضاد للدبابات، وطبعا لا يوجد ما هو أفضل من الأراضي الفلسطينية المحتلة وسكانه العزل ليشكلوا حقلا خصبا لتجربته وتحقيق نجاحه.
كما قامت الحكومة البريطانية بشراء 26 ألف قنبلة عنقودية من إسرائيل سنتي 2003 و2004، استخدمت بعضا منها أثناء عملية غزو العراق ومن المعروف أن الحكومة البريطانية لا تتوفر على آلية قانونية تتيح لها تعقب الشركات البريطانية التي يمكن أن تكون متورطة في خرق حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأكبر مثال على ذلك، شركة كاتربيلار الأميركية المتخصصة في معدات وآلات البناء، والتي تمتلك فرعا كبيرا في بريطانيا، هذا الأخير عكف على بيع جرافات عسكرية لإسرائيل منذ فترة ليست بالقصيرة.
وهي نفس الجرافات المصفحة الداكنة اللون التي نراها بصفة شبه يومية على القنوات الفضائية تدمر بيوت الفلسطينيين، حيث استخدمها الجيش الإسرائيلي في هدم أكثر من أربعة آلاف منزل، وهي نفسها التي تسببت في مصرع ناشطة السلام (راشيل كوري).
وهناك أدلة أخرى تشير إلى تورط شركات بريطانية في تصدير معدات استخدمت في تشييد "الجدار الأمني" الذي اقتطعت بسببه إسرائيل أراض فلسطينية من أجل إتمام بنائه.
وهناك أيضا الموقف المتشدد للدبلوماسية البريطانية، والذي يماثل موقف واشنطن في دعم قرار حكومة شارون السابقة، حيث شدد توني بلير على أنه لا مجال للحديث عن مفاوضات ناجحة أو سلام شامل من دون وضع حد للأعمال الإرهابية وهذا يعني بعبارة أخرى أنه لا مجال لإنهاء الاحتلال مادامت مقاومة هذا الاحتلال مستمرة.
ولعل المتتبع للأحداث السياسية في المنطقة قد لاحظ أن رئيس الوزراء البريطاني قليلا جدا ما يتفوه بعبارات منددة ـ وإن كانت محتشمة وغير مباشرة ـ بتصرفات إسرائيل، بل يعمد في الغالب إلى التشديد على أن "كلا الجانبين" مسؤولين عن "العنف".
وهذه تصريحات بلا شك تتغاضى عن الاعتراف بأن أحد الطرفين يحتل أرض الآخر، ومن المستبعد تماما أن تجد الحكومة البريطانية يوما تدعو إلى إنهاء ذلك الاحتلال بل على العكس تماما، نرى أن السفارة البريطانية في تل أبيب تصف بلادها بأنها "صديق فعلي لإسرائيل" وأنها "شريك طبيعي" لها، وبأن كلا رئيسي وزراء البلدين على تواصل مستمر وأنهما تربطهما علاقة صداقة وعمل قوية.
كما ساهمت لندن إلى حد كبير في الترويج لأكذوبة نهج حكومة شارون "للهدف المشترك" الذي يسعى فيه الجميع إلى دعم جهود بناء دولة فلسطينية حقيقية غير أن الواقع والدلائل تفند هذا الادعاء من أساسه، بل وتشير بالبنان إلى تستر الحكومة البريطانية على الأنشطة غير الشرعية للحكومة الإسرائيلية في سعيها إلى إحباط تلك المحاولات.
وقد نشرت صحيفة الغاردين البريطانية شهر نوفمبر الماضي وثائق سرية تذكر فيها القنصلية البريطانية في القدس الشرقية أن غرض شارون من بناء مستوطنات غير شرعية في القدس الشرقية يرمي ببساطة لقطع الطريق أمام أية محاولة مستقبلية لجعلها عاصمة للدولة الفلسطينية على افتراض أنها ستؤسَّس يوما ما.
ونرى سياسة الكيل بمكيالين واضحة في مواقف وزير الخارجية البريطاني جاك سترو الذي لا يكل من استغلال كافة القنوات الدبلوماسية المتاحة للحيلولة دون تمكن إيران من إنهاء برنامجها النووي، وفي الوقت نفسه يتغاضى بصفاقة مدهشة عن امتلاك إسرائيل لأزيد من 100 رأس نووية.
ولعل البعض لا يزال يذكر الضغوط الكبيرة التي مارستها الحكومة البريطانية على الاتحاد الأوربي لفرض عقوبات على زمبابوي، ولكنها في المقابل رفضت طلبا من البرلمان البريطاني بفرض الاتحاد عقوبات مماثلة على إسرائيل.
بل على العكس، نرى أن لندن أصبحت أكثر ولعا من واشنطن بلعب دور كبير المدافعين عن مصالح إسرائيل، حيث أنها واجهت كل الأصوات الداعية إلى تعليق العمل باتفاقية التجارة والدعم المادي بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، بالرغم من أن هذا النوع من الاتفاقيات التي يوقعها الاتحاد مع أطراف خارجية ينص بصريح العبارة على ضرورة "احترام الطرف الآخر لحقوق الإنسان".
والأدهى أن الحكومة البريطانية تسعى جاهدة إلى تفعيل خطة عمل أوروبية تعمل على تعزيز التعاون السياسي والعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل وفي المقابل، كانت لندن نفسها من سعى وراء حظر تعامل دول الاتحاد الأوروبي مع الجناح السياسي لحركة حماس ووضع أسماء قادتها في اللائحة السوداء للإرهاب.
في دجنبر من السنة الماضية، اعترف رئيس مكتب الخارجية البريطانية اللورد تريسمان أمام البرلمان بأن حكومته لا تعتقد أن إسرائيل تلتزم تماما بالقانون الدولي، بسبب مواصلتها بناء المستوطنات والاستمرار في عمليات الاغتيال وتدمير المنازل في الأراضي المحتلة.
كما وجهت الحكومة انتقادا خفيف اللهجة لإسرائيل حين قامت ببناء ما تسميه "الجدار الأمني" على حساب أراض فلسطينية ورغم ذلك، تبقى هذه الإجراءات هزيلة وعديمة المعنى مقارنة بسياسات أخرى تهدف إلى حماية إسرائيل ومنع تعرضها لأية ضغوط دولية تطالبها بإنهاء الاحتلال.
ودق تم الكشف مؤخرا عن وثيقتين سريتين توضحان بجلاء السياسة البريطانية في الشرق الأوسط أولهما تقرير لوزارة الخارجية سنة 1970 عنوانه "السياسة البريطانية المستقبلية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي" ينصح فيه الحكومة البريطانية بعدم تبني سياسة علنية تؤيد أحد الطرفين، خصوصا الطرف العربي، بسبب الضغط الذي تمارسه الحكومة الأميركية.
من دون شك لجعلنا نسايرها في أية تصريحات علنية أو مفاوضات جارية في هذا الصراع كما دعا التقرير إلى تفادي سياسة "الحياد الفعال" لأنه سيتسبب في إلحاق الضرر بعلاقتنا الوطيدة بالولايات المتحدة على صعيد العالم.
أما الوثيقة الثانية، فهي تقرير للجنة الاستخباراتية الموحدة يرجع تاريخه إلى سنة 1969، يشير فيه إلى أن الدولة العبرية تعرف وتيرة تصنيعية سريعة، ستجعلها شريكا تجاريا جيدا له إمكانيات مستقبلية هائلة في المجالات الصناعية، ستساعد بلا شك في جعل بريطانيا بلدا صناعيا ومُصَدِّرا اقتصاديا عظيما على مستوى العالم.
وفي المقابل، نعت التقرير ذاته العالم العربي بأنه، ورغم إنتاجه للنفط، تبقى التطورات الأخيرة التي عرفتها البلدان العربية تجعل إمكانية تطوير مبادلات تجارية مربحة معها ستبقى في أفضل الأحوال ثابتة، مع احتمال تدهورها على المدى البعيد.
وبعد مرور ثلاثة عقود على هذين التقريرين، أضحت إسرائيل ثالث أكبر شريك تجاري لبريطانيا في الشرق الأوسط، وأصبحت الحكومة البريطانية تصفها بأنها نجاح تاريخي بالنسبة للمُصَدرين البريطانيين، خصوصا في مجال الصناعات التقانية العالية وباختصار، تبقى أهم أولويات الحكومة البريطانية في استراتيجيتها الخارجية مسايرة الولايات المتحدة في سياستها العالمية، وفي الوقت نفسه حماية مصالحها الاقتصادية، وهذا طبعا على حساب حقوق الإنسان بمنطقة الشرق الأوسط بل وعلى صعيد العالم
بأسره.