لم يكن اكتشاف قبر المختطف أبو فادي بالقرب من منطقة مكونة، مفاجئا بالنسبة إلى المهتمين بقضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وخصوصا مجموعة بنو هاشم والمحتجزين الصحراويون، لأن أبو فادي مر من معتقل قلعة مكونة وأكدز حيث كان هؤلاء محتجزون، ولم يكن الإعلان ع
مفاجئا أيضا، فأخته الدكتورة علياء المراكشي المقيمة في ألمانيا كانت كشفت عن أصله وجنسيته، حين تقدمت بملف اختفائه إلى هيئة الإنصاف والمصالحة، ولكن ما كان مفاجئا هو الوقوف على معطيات جديدة، تؤكد أن وفاة أبو فادي لم تكن طبيعية، وما كان أيضا مفاجئا، وكشفت عنه عائلة أبو فادي، هو أنه لم يعتقل في إطار ملف سياسي، بل فقط لأنه دخل بجواز سفر زميل له كان يشتغل معه في السعودية، وكشف امبارك بودرقة عضو المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وعضو لجنة متابعة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، أن أسباب دخوله المغرب بجواز زميله كانت شخصية ولا علاقة لها بأي ملف سياسي
امبارك بودرقة كشف أيضا، في الحوار التالي، عن مكان وفاة أبو فادي وعمن أشرف على دفنه، كما بين الخطوات التي باشرتها الهيئة في تدبير هذا الملف، وقدم معطيات حول ملفات أخرى ذات صلة.
٭ ورد علينا خبر مفاده أنه جرى التعرف على قبر أحد الضحايا الذين كانت عائلته المقيمة خارج المغرب، عرضت ملفه على هيئة الإنصاف والمصالحة، الأمر يتعلق بقبر من؟
ـ إنه قبر أحد الضحايا الذي كان يدعى أبوفادي، والذي كان الجميع يعتقد أنه فلسطيني أو لبناني، ولكن اتضح من خلال التحريات التي باشرتها هيئة الإنصاف والمصالحة أن الأمر يتعلق بالمغربي محمد بن أحمد بن عباس المراكشي، وهو مولود في لبنان سنة 1950 من أب مغربي وأم لبنانية، وجاء إلى المغرب سنة 1976، واعتقل، إذ مر من عدة مراكز اعتقال غير نظامية كدرب مولاي الشريف والكومبليكس بالرباط وأكدز وقلعة مكونة، وأخيرا بمعتقل سد المنصور الذهبي، حيث توفي سنة 1992 .
٭ أين يوجد القبر بالضبط؟
ـ القبر يوجد بمعتقل قرب سد المنصور الذهبي، الواقع بين وارزازات وأكدز، وما حدث أنه لما أطلق سراح مجموعة من المحتجزين بقلعة مكونة سنة 1991، ظل أبو فادي رفقة محتجزين اثنين هما العلوي من مكناس والبهلول ذو الجنسية الليبية، رهن الاعتقال، فنقلوا إلى هذا المعتقل، حيث توفي أبو فادي يوم 1992/7/23 .
٭ قلتم إنه كان يعتقد أنه لبناني أو فلسطيني، وهو في الأصل مغربي؟
ـ ولد في بيروت واشتغل في السعودية
وحل يوم عيد المولد النبوي، أخوه إبراهيم المراكشي، المقيم ببيروت، وأخته الدكتورة علياء المراكشي المقيمة بألمانيا، واستقبلناهما ورافقهما وفد من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، لزيارة قبر أخيهما
٭ -قاطعناه- لماذا جرى اعتقاله؟
ـ لم تكن الأسباب المتوفرة لدينا مقنعة، لكن الإفادات الجديدة التي قدمتها لنا العائلة، أكدت براءته،، مكنتنا من معلومات، وأفادت أنه فقط لم يدخل المغرب بجواز سفره الشخصي، بل بجواز سفر صديق له، جنسيته أيضا لبنانية، كان زميله في العمل حين كان يشتغلا في السعودية، وسبب دخوله بهذه الصفة هي شخصية ولا علاقة لها بالإرهاب أو السياسة، وهو ما تؤكده عائلته إذ كشفت أنه ظل يراسلها ويتبادل معها الرسائل أثناء إقامته بالمغرب، بشكل دائم، وهو ما يؤكد أنه لم تكن لديه أي نية في ارتكاب أي جرم أو مخالفة، طبعا عائلته تستغرب كيف أقدمت السلطات على اعتقاله وبقائه في المعتقل إلى أن وافته المنية، وكان ينبغي أن يقدم للمحاكمة بتهمة دخوله المغرب بجواز سفر مزور، وليس احتجازه كل تلك السنوات.
٭ كيف جرى تدبير هذا الملف إلى أن حصل التعرف على خباياه؟
ـ لقد ورد اسم أبو فادي في لوائح الجمعيات الحقوقية المغربية، ولوائح منظمة العفو الدولية، كما ورد اسمه في اللائحة 112، ضمن فئة المتوفين، وحين كانت هيئة الإنصاف والمصالحة تستمع إلى ضحايا الاختطاف والاعتقال التعسفي، كان عدد من الضحايا ضمنهم مجموعة بنو هاشم والمحتجزون الصحراويون يؤكدون، أنه كان ضمن المعتقلين معهم في أكدز وقلعة مكونة، شخص اسمه أبو فادي، وأن مجموعة بنو هاشم أطلق سراح أفرادها من قلعة مكونة سنة 1984، ولكن حين الاستماع إلى الضحايا الذين أطلق سراحهم سنة 1991، أكدوا وجود هذا الشخص، إلا أن اللائحة التي تتوفر عليها الهيئة، والتي تشير إلى عدد الذين توفوا بقعلة مكونة، لا تتضمن سوى 16 اسما، ولم يكن ضمنهم محمد المراكشي، فاضطررنا لاستدعاء مجموعة من الشهود، والحراس الذين كانوا يزاولون مهامهم هناك تلك الفترة، وهم من أكدوا أنه جرى نقل أبو فادي والعلوي والبهلول إلى معتقل قريب من سد المنصور الذهبي فعلا، وحين توجهنا إلى هناك، واستمعنا إلى الحارس الذي كان يزاول مهامه بالمعتقل تلك الفترة، أكد أن أبو فادي كان معتقلا هناك، وأنه توفي بهذا المعتقل، وهو من أشرف شخصيا، على غسله وتكفينه ودفنه.
٭ كيف توفي؟ هل تتوفرون على معلومات حول أسباب وكيفية الوفاة؟
ـ كانت المعطيات المتوفرة لدينا تؤكد أنه، بعد إطلاق سراح الجميع، وبقائه بمفرده، صارت تنتابه نوبات عصبية شديدة، وانهارت معنوياته بشدة، ما سرع بوفاته، لكن زيارة لجنة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لقبر محمد المراكشي، نهاية الأسبوع المنصرم رفقة عائلته، مكنت من الوقوف على معطيات تفيد أن الوفاة كانت غير طبيعية، حسب المعطيات التي تقدم بها الحارس الذي ظل مكلفا بحراسة أبو فادي، وهو ما يجعل العائلة اليوم تطالب بإجراء التحاليل ومواصلة التحريات لكشف أسباب الوفاة.
٭ كيف تعاملت عائلة الضحية مع هذه المستجدات التي ترتبط بابنها المفقود؟
ـ هي تستغرب لماذا كان مصير ابنها بهذا الشكل، وهو لم يمارس السياسة، ولم يشارك في أي عملية إرهابية تمس أمن الدولة، وكان زار بلاد أجداده لأسباب شخصية، فإذا به يلقى هذا المصير الذي أدى به إلى الوفاة في هذه الظروف، وطبعا العائلة اليوم تطالب بإجراء التحاليل على رفات ابنها.
٭ كيف كان لقاؤكم بعائلة أبو فادي؟
ـ قدم، أخوه ابراهيم المراكشي من بيروت، وهو لأول مرة يزور المغرب، وجاءت أخته علياء، التي تمارس مهنة الطب بألمانيا، وهي أيضا تزور المغرب لأول مرة، وكان لقاؤنا بهما مشحونا بالألم والحسرة والمرارة، إذ لم يكن سهلا على إنسان يزور بلده لأول مرة، أن يجد نفسه في دوامة من الحزن والأسى، وطبعا الموقف كان مؤثرا جدا وصعبا للغاية، واللحظة كانت قاسية جدا.
٭ كيف يمكن جبر ضرر هذه العائلة؟
ـ من الصعب جبر ضرر مثل هؤلاء الضحايا، ما يمكن أن نقدمه لهذه العائلة هو الوصول لأقصى ما يمكن من عناصر الحقيقة، وسنحترم رغبتهم في نقل رفات ابنهم إلى المكان الذي يحددونه، وطبعا نحن نحترم رغبتهم في إجراء التحاليل لمعرفة أسباب الوفاة، كما نحترم أي قرار يتخذونه، ونحن كهيئة سابقا ومجلس حاليا، ليس لدينا إلا أن نساند موقفهم لمعرفة الحقيقة.
٭ ارتباطا بالموضوع أين وصل ملف عبد الحق الرويسي، علما أنه قد أخذت عينات من رفات جثة لأحد القبور، يعتقد أنها رفات الرويسي من أجل إجراء تحاليل الحامض النووي؟
ـ فعلا أخذت عينات من رفات أحد القبور التي يحتمل، من خلال التحريات التي أجرتها هيئة الإنصاف والمصالحة، أن يكون الرويسي دفن فيه، ويمكن التأكيد على أن الملف مازال تحت دراسة المختبر، لأن طول المدة يفرض في مثل هذه التحاليل، مجموعة من التدابير المعقدة، منها إعادة إحياء الخلايا، ونحن ننتظر تحليل الحامض النووي، ومقارنته بنتائج التحاليل ذاتها التي أجريت لبعض أفراد عائلته، ونأمل أن تظهر النتائج في أقرب وقت.
٭ ظلت ملفات عالقة، بعد انتهاء المدة المحددة لهيئة الإنصاف والمصالحة، وتقديم التقرير النهائي، وأحيلت هذه الملفات على المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ماهي الصعوبات التي حالت دون إغلاق كل الملفات التي عرضت على الهيئة، هل لأن المدة لم تكن كافية، أم لأن جهات ما رفضت التعاون مع الهيئة كما أشار إلى ذلك التقرير النهائي؟
ـ السبب يعود إلى ضخامة الملفات وكثرتها، وطول الفترة التي غطتها، أي من 1956 إلى 1999، والملفات التي ظلت عالقة، استطعنا أن نصل إلى معطيات بشأنها تؤشر على اقتراب فك لغزها، ولم يسعفنا الوقت لحسم هذه الملفات، نظرا لتعقيداتها أولا، ثم بسبب ضخامتها، ولأسباب تراكمت فلم تستطع الهيئة حسمها، ولكن العمل منكب عليها، داخل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، إذ بعد الخطاب الملكي الذي أحال موضوع الملفات العالقة على هذا المجلس، تشكلت لجنة متابعة تنفيذا التوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وهي الآن منكبة على مباشرة التحريات بشأن الملفات التي تحتاج إلى ذلك.
٭ كان التقرير أشار إلى أن الهيئة واجهت عراقيل من قبل بعض الجهات، ماهي طبيعة هذه العراقيل، وما هي هذه الجهات التي رفضت التعاون مع الهيئة؟ ـ هي عراقيل كباقي العراقيل الإدارية، تصادف أي عمل يسعى إلى الإصلاح، وإلى التطوير، وطي صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والملف ليس بسيطا، وليس من السهل أن يستوعب الجميع سواء كأفراد أو كأجهزة، ما يقدم عليه المغرب اليوم.
٭ يهمنا أن نخبر القراء والرأي العام عما إذا كانت هناك ملفات وشيكة الحل وقريب التعرف على حقيقتها، وطيها؟
ـ بالنسبة إلينا كل الملفات يجب أن تجد حلها قبل نهاية العام الجاري، وبخصوص السؤال هناك العديد من الملفات التي بدأت معالمها تظهر كملف عبد الحق الرويسي وعبد السلام الطود ، وابراهيم الوزاني الذي كشفنا عن قبره في غفساي، وهناك ملفات تزمامارت في الطريق إلى الحل.
٭ أين وصل ملف الحسين المانوزي؟
ـ هذا الملف انطلق بشأنه البحث، وكذلك الشأن بالنسبة إلى ملف بنبركة، ونتمنى أن نصل إلى النتائج في القريب العاجل.
٭ هل هناك مؤشرات على أن حقائق هذه الملفات ستنكشف؟
ـ عندما يخوض الإنسان في ملفات شائكة كهذه، لا يمكن إلا أن يكون متفائلا، وإلا لن يتقدم في هذه المهمة، وإذن فنحن متفائلون ويحذونا الأمل في أن ننجح في مهمتنا، وسنظل متفائلين حتى النهاية.
٭ التقرير النهائي لهيئة الإنصاف والمصالحة أثار ردود فعل إيجابية، وطنيا وعربيا ودوليا، كما أثار ردود فعل عبرت عن عدم الرضى عن عمل الهيئة، ومن بين ردود الفعل هذه، كانت من داخل الهيئة، إذ أعلن بعض أعضائها عدم الاطلاع على التقرير قبل إحالته على جلالة الملك، كيف تفسرون رد الفعل هذا؟
ـ جميع التقارير التي تنجزها هيئات ومؤسسات مثل هيئة الإنصاف والمصالحة، والتي تتضمن أزيد من 700 صفحة، يستحيل أن يكون جميع الأعضاء من حرروا كل محتوياتها، ويستحيل أن يكون كل الأعضاء اطلعوا على كل جوانب التقرير، فكل عضو وفي إطار هيكلة الهيئة وهيكلة عملها، حرر الجانب الذي يهمه، إذ تشكلت لجان، وكان فريق التحريات أشرف على تحرير الجانب المتعلق بهذا المجال، ثم حرر الفريق المكلف بموضوع جبر الضرر هذا الجانب من التقرير، وحرر فريق الدراسات الجانب المتعلق بالسياقات التاريخية، وغيرها، وكانت جميع الاجتماعات التي تعقدها الهيئة مفتوحة أمام الجميع، سواء تعلق الأمر باجتماعات الفرق، أو لجنة التنسيق أو اللجنة العامة، إذ حتى الأعضاء الذين لا ينتمون حاليا لفريق التحريات يستطيعون حضور الاجتماعات والإدلاء بآرائهم، والتصويت إن اضطررنا للجوء إليه كأسلوب للحسم، وإن كنا لم نلجأ إلى التصويت خلال كل المراحل التي قطعتها الهيئة، وشخصيا اطلعت على التقرير، وواكبته وقدمت اقتراحات وتعديلات، طبعا قد نختلف في طرح القضايا لكننا ندبر كل الخلافات بالنقاش الإيجابي والمسؤول، إلى أن يقتنع الطرف الآخر، ولم نلجأ ولو في مرة واحدة إلى التصويت، علما أن القانون الأساسي لهيئة يسمح لنا باللجوء إلى التصويت عندما نضطر إلى ذلك.