محمود أحمدي نجاد

الفارس الفارسي

السبت 15 أبريل 2006 - 15:18
محمود أحمد نجاد

الأمم المثقلة بتاريخها لا تجيد النوم المريح، سواء كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عارفا بهذا الحكم الصارم للمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، أم لا، فهو يتقمص دور الفارس لأمة تتكئ على أزيد من عشرين قرنا من الحضارة الفارسية، وتسعى إلى إثبات وجودها في مواج

فضلا عن الصراع الذي بدأ بين البلدين منذ حوالي ثلاثين عاما، عندما أسقطت الثورة الإسلامية نظام الشاه، تحمل واشنطن ثأرا خاصا لأحمدي نجاد باتهامه بالمشاركة في احتلال سفارتها واحتجاز أعضائها رهائن عام 1979، بما يشحن المعركة النووية الحالية بغير قليل من الرغبة في تصفية الحسابات، كامتداد للعنات التي طالما تبادلها الراحلان الإمام الخميني ورونالد ريغان، واسأنفها في الجانب الأميركي جورج بوش عندما صنف إيران في "محور الشر"، مع عراق صدام حسين وكوريا الشمالية.

لم يكن ابن الحداد المولود عام 1956، في بلدة فقيرة قرب طهران، موعودا أصلا لمهمة مناطحة "الشيطان الأكبر"، ولا حتى لرئاسة جمهورية الملالي، ورثة الإمام آية الله الخميني وحفظة أسرار الحوزة الشيعية في مدينة قم.

إلا أن الإيرانيين فضلوا أثناء انتخابات الرئاسة في الصيف الماضي فتى الثورة على شيخها، أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي سبق وأن جربوه في رئاسة الجمهورية قبل الإصلاحي محمد خاتمي، وكذا في رئاسة البرلمان.

والغالب أن جورج بوش ساهم جيدا، بخطاباته النارية ضد إيران، في الحملة الانتخابية للقومي المتشدد أحمدي نجاد، لينتقل بسهولة من منصب عمدة طهران إلى كرسي الرئاسة، دون أن يتخلى عن مظهر التواضع والبساطة في الأكل واللباس.

ورغم ابتعاده عن عباءة الأئمة التي كان سلفه خاتمي يفضلها، لفائدة الزي "الغربي"، ظل وفيا لمقاطعة ربطة العنق، على غرار أول رئيس للجمهورية الإسلامية، أبو الحسن بني صدر الذي قال يوما عنها إنها بدون أي وظيفة نفعية وبثمنها يشتري جوارب إضافية لأن قدمه تعرق كثيرا من كثرة المشي لاستغنائه عن السيارة .

بالتأكيد ليس جورج بوش، القادم من عالم الإدمان على النفط وعلى الكحول، من يستطيع أن يطعن في المؤهلات الثقافية والفكرية لغريمه في طهران، المجسد لطموح إيران في الالتحاق بجارتها باكستان والهند والصين في الانضمام إلى نادي القوى النووية
فعلى عتبة المرحلة الجامعية من الدراسة انضم محمود أحمدي نجاد إلى صفوف نقابة الطلبة التابعة لمكتب تدعيم الوحدة المحافظ، ثم أصبح ممثلا عن جامعته في اللجنة المركزية لهذه النقابة التي كان لها الدور الرئيسي في عملية احتجاز الرهائن الأميركيين في طهران عام 1979، ومن ثم جاء إحياء التهمة ضده في أميركا الصيف الماضي لما أصبح رئيسا بالمشاركة في الاحتجاز .

وفضلا عن النشاط الثوري والسياسي المبكر أنهى دراسته بتفوق بحصوله على شهادة دكتوراه في النقل العمومي من الجامعة الإيرانية للعلوم والتكنولوجيا، قبل أن يصبح واحدا من أبرز أساتذتها ويشرف على عشرات أطروحات التخرج للطلبة.

وعلى خلفية النضال الطلابي شارك في الحرب الإيرانية العراقية في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي، كمجند في المرحلة الأولى ثم بصفة مهندس عسكري لاحقا، حتى إذا انتهت حرب الثمان سنوات بدون غالب ولا مغلوب، سوى ما كان من مئات آلاف الجثث في المعسكرين، وقولة شهيرة للإمام الخميني شبهت توقيع وقف إطلاق النار مع عدوه الأكبر صدام حسين بتجرع كأس سم، بات الطريق سالكا أمام ضابط الاحتياط ليصبح محافظا على أردبيل من 1993 إلى 1997، من حيث انفتحت شهيته للتسلق، وجاءت الفرصة مع الانتخابات البلدية لعام 2003 ليصبح عمدة العاصمة طهران.

هنا أظهر ابن الضاحية الفقيرة ميوله السياسي المحافظ وبراعته في التسيير، مصطدما مع أنصار الرئيس خاتمي والتيار الإصلاحي عندما أقدم على نزع كل مظاهر الانفتاح التي أقرها حكام طهران الإصلاحيون السابقون، وأدخل العناصر المحافظة إلى الإدارة الجديدة، حتى أن خاتمي منعه من حضور مجلس الوزراء الذي جرت العادة أن يكون رئيس بلدية طهران حاضرا فيه بصفة مراقب.

ومن قصر البلدية إلى مكتب رئاسة الجمهورية كان المهندس المحافظ يحتاج فقط إلى بضع خطب عدائية إضافية من المحافظ الأميركي جورج بوش لكي يسلموا أحمدي نجاد لواء المواجهة.

الآن سيكون الرئيس الأميركي، وأيضا صديقته وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، مسرورين بتدمير المنشآت النووية الإيرانية بضربة جوية، ولو بتنفيذ إسرائيلي، فإيران ما تزال مصنفة أميركيا في " محور الشر " مع كوريا الشمالية، بعد عراق الأمس، بينما تظل أميركا "الشيطان الأكبر " إيرانيا.

لكن واشنطن تدرك أن ابتلاع ملالي الجمهورية الإسلامية قد يسبب عسر هضم للمعدة الإدارة الأميركية المتورطة في العراق، حيث تملك طهران ورقة أخرى للمساومة، بما يوفر لأحمدي نجاد هامشا لمعاكسة بوش.




تابعونا على فيسبوك