الرجال يهجرون النساء بحثا عن الترفاس

دوار الخيام : عندما تصير القبور منازل للبدو

الإثنين 10 أبريل 2006 - 17:02

الحقيقة أغرب من الخيال، فرق كبير بين ما صورته مفيدة التلاتلي في فيلمها موسم الرجال، الذي تدور أحداثه في جزيرة جربة التونسية، وما تعيشه نساء دوار الخيام في مدينة بوعرفة.

في جربة التونسية الساحرة، التي يؤمها السياح من أرجاء العالم، عكس بوعرفة المدينة الصحراوية القاحلة، تتحول الجزيرة إلى مكان ضيق وقاتم، تخيم عليها ملامح العزلة والانزواء والصحراء وزرقة البحر، بعيدا عن المدينة الكبيرة، وأشبه ما تكون مهجورة من أبنائها الرجال، الذين وجدوا في الهجرة إلى المدن الكبرى، ومن بينها العاصمة تونس، فرصتهم الوحيدة لكسب قوت العيش، تاركين خلفهم النساء، اللواتي ينشغلن في غزل الصوف والسجاد، والاعتناء بالأطفال وتدريسهم.

جربة في الفيلم جنة بمياه زرقاء، وبوعرفة في الواقع قحط ورمال وأكواخ طينية، بين الفضاءين اختلاف جغرافي كبير، إلا أن نقطة الالتقاء تكمن في حياة النساء، فكما في الفيلم تعاني النسوة من هجران الرجال، تتكبد الزوجات في دوار الخيام معاناة الهجر والحرمان الذكوري.

الفيلم يعرض حالات نسوية مهملة في جزيرة، يهجرها الرجال للعمل، ويعودون مرة في الموسم، وفي غيابهم، تتكشف حياة الناس ومشكلاتهم في مجتمع يخضع لتقاليد صارمة، تهيمن عليه الذكورية، أو التسلط الأمومي، والانكسارات الأنثوية، نتيجة وضع سكوني مزمن، تعاني المرأة نتائجه السلبية.

أما في الواقع المغربي، وفي مكان مقفر وناء، وفي المدار الهامشي لبوعرفة، التي تبعد حوالي 300 كيلومتر جنوب وجدة، تنتشر مجموعة أكواخ طينية، لا يتجاوز علو جدرانها نصف متر، سقفت بأغطية بلاستيكية وبأوراق كرتون قوية، فيما استعان بعضهم بهياكل سيارات تهريب هالكة كسياج لكوخه القزمي.

اقترب طفل في السادسة من عمره، يسند محفظة كبيرة، مرتديا ملابس رثة ويحشر قدميه في نعل بئيس، وسأل " جيتو تصورونا؟" ، قبل التفكير في أي إجابة، هرولت ثلاث نسوة باتجاهنا، كن نحيفات الجسم، ملثمات بمناديل فاقعة اللون، لا يأبهن بدرجة الحرارة، التي كانت تقارب الأربعين.

كن فرحات جدا، وهن يرمقن أناسا خارج الوجوه الرتيبة لسكان الدوار، بدأن في الحديث عن أوضاعهن، وكيف أنهن يقاومن الجفاف بلا ماء صالح للشرب، ولا قنوات صرف صحي، وأفضن في شرح عملية بناء أكواخهن، وقلن إنه لا بد من حفر حفرة، ثم تسقيفها بأي شيء.

كانت المرة الأولى التي نسمع فيها عن بناء منازل من خلال الحفر في عمق الأرض، فالمنطقي أن القبور مثوى للأموات، لكن ليست ملجأ للأحياء.

حكت لنا " الوازنة" ، امرأة في عمر الأربعين ولها ثلاثة أطفال، أن الرجال هجروا الدوار، تاركين وراءهم النساء والأطفال، وأنهم لا يعودون إلا بعد وقت طويل، موضحة أن الرجال يذهبون للبحث عن " الترفاس".

في بداية فصل الربيع، تنشط الحركة، ويصير الطلب كبيرا على اليد العاملة المنقبة عن " الترفاس" ، وهي عشبة نادرة صالحة للأكل، تستخرج من باطن الأرض، خاصة في منطقة " تندرارين" ، يصل ثمن الكيلو غرام إلى 50 درهما، لكنها تصدر نحو دول الاتحاد الأوروبي لتباع هناك بـ 400 أورو للكيلوغرام.

وحسب بعض العالمين والمجربين، فإن الرجال هم أكبر المستهلكين لهذا النبات، لأنه صديق كبير لفحولتهم، إذ إن " الترفاس" عبارة عن فياغرا مغربية " جد فعالة".

الرجال يهجرون النساء في دور الخيام، بحثا عن إسعاد رجال آخرين خلف الأبيض المتوسط، حكاية سكان هذا الدوار ابتدأت منذ أواسط الثمانينات، عندما لجأوا إلى بيع كل قطعانهم وخيامهم، وتنازلوا عن حياة البدو الرحل، ليستقروا بهوامش بوعرفة، وحسب ما ذكره لنا مراسل صحافي بعين المكان، فإن السلطات المحلية وعدت سكان هذا الدوار، بنقلهم إلى بقع مجهزة، غير أن الجميع ما زال ينتظر.

تقول مدرسة التقتها " الصحراء المغربية" ، كانت تنتظر لقاء أي مسؤول من وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، من أجل الدفاع عن مطلب الإيداع، إن " الفقر يضرب الأطناب في دور الخيام، لا وجود لأي أدنى شروط الكرامة الإنسانية" ، وتابعت حكيها عن تجربة روض للأطفال كانت خاضتها إحدى زميلاتها، وقالت " كان هذا الروض عبارة عن كوخ لا تتعدى مساحته ثلاثة أمتار، وأنه كان يضم زهاء الثلاثين طفلا، يفترشون الأرض، وأحسنهم حالا كان يجلب معه كرسيا بلاستيكيا من كوخه، وأفادت أن الأجر الشهري كان 7 دراهم عن كل طفل".

كان سكان دوار الخيام من النساء والأطفال فرحين جدا، ودعونا إلى نشر ما شاهدناه عسى أن تتحرك بعض الأيادي النزيهة لإنصافهم ولو قليلا، كتزويدهم مثلا بالماء الصالح للشرب.

انتهى حبيب المالكي، وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، من تدشين مدرسة بعين المكان، وما هي إلا لحظات حتى تغطى الأفق بالغبار المتطاير من عجلات السيارات، الكل رحل عن المكان، بقي فقط بعض الأعوان المحليين، الذين باشروا عملية جمع الأعلام والخيام، لكنهم للأسف لن يستطيعوا فعل ذلك مع دور الخيام، الخيام الطينية والبلاستيكية. هرولنا مسرعين لنلحق سيارة أجرة أو ما شابه، حتى لا نضيع الموكب الوزاري، وتركنا أهل دور الخيام يواصلون إحناء هاماتهم ليتمكنوا من دخول أبواب منازلهم الصغيرة... ولتبقى النسوة في انتظار رجال، يهيمون بحثا عن " عشبة" أرضية نادرة.




تابعونا على فيسبوك