يخلد الشعب المغربي، وفي طليعته رجال الحركة الوطنية وأسرة المقاومة وجيش التحرير، اليوم الأحد، الذكرى الـ 59 لزيارة الوحدة التي قام بها بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس إلى مدينة طنجة سنة 1947 والذكرى الخمسين لزيارة جلالته إلى مدينة تطوان سنة 1956 .
وذكرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في مقال بالمناسبة، بأن الزيارة الملكية إلى طنجة جاءت في وقتها المناسب، وشكلت منعطفا مهما في مسيرة النضال الوطني من أجل الاستقلال، ومحطة فاصلة بين عهدين : عهد الصراع بين القصر والإقامة العامة والنضال السياسي لرجال الحركة الوطنية وعهد الجهر بالمطالبة بحق المغرب في الاستقلال في المحافل الدولية وإسماع صوت المغرب بالخارج، والعالم آنذاك بصدد طي مرحلة التوسع الاستعماري والدخول في طور تحرير الشعوب وتقرير مصيرها.
لقد كانت هذه الزيارة التاريخية لجلالة المغفور له عنوانا بارزا لوحدة المغرب وتماسكه وبالتالي مناسبة لطرح مسألة استقلال البلاد وحريتها وما إن علمت سلطات الحماية برغبة جلالته رضوان الله عليه، حتى عمدت إلى محاولة إفشال مخطط الرحلة الملكية وعرقلتها لكنها لم تنجح في ذلك، إذ جاء رد جلالة المغفور له محمد الخامس على مبعوث هذه السلطات حاسما عندما جهر قائلا : "لا مجال مطلقا للرجوع عن مبدأ هذه الرحلة"
وهكذا ارتكبت سلطات الاستعمار مجزرة شنيعة بمدينة الدارالبيضاء يوم 7 أبريل 1947 ذهب ضحيتها مئات المواطنين الأبرياء، وقد سارع جلالة المغفور له محمد الخامس إلى زيارة عائلات الضحايا ومواساتها وعبر لها عن تضامنه إثر هذه الجريمة النكراء.
لقد فطن جلالة الملك محمد الخامس إلى مؤامرات ودسائس الاستعمار التي كانت تهدف الى ثني جلالته عن عزمه تحقيق التواصل مع رعاياه الأوفياء بعاصمة البوغاز
ويوم 9 أبريل 1947 توجه جلالته على متن القطار الملكي انطلاقا من مدينة الرباط نحو طنجة عبر مدينتي سوق أربعاء الغرب ثم القصر الكبير فأصيلة التي خصص بها سمو الأمير مولاي الحسن بن المهدي استقبالا حماسيا احتفاء بمقدم العاهل الكريم في حشد جماهيري عظيم.
هذه الصورة كسرت العراقيل التي دبرتها سلطات الاستعمار ليتأكد بذلك التلاحم المتين والأواصر القوية التي جمعت على الدوام بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الأبي وقد خصصت ساكنة طنجة استقبالا حارا للموكب الملكي، جددت من خلاله تمسكها وتفانيها في الإخلاص لثوابت الأمة ومقدساتها واستعدادها للدفاع عن كرامة البلاد وعزتها.
وقد جاء الخطاب التاريخي الذي ألقاه المغفور له محمد الخامس في فناء حدائق المندوبية بحضور ممثلين عن الدول الأجنبية وهيئة إدارة المنطقة وشخصيات أخرى مغربية وأجنبية، ليعلن للعالم أجمع عن إرادة الأمة وحقها في استرجاع استقلال البلاد ووحدتها الترابية، حيث قال جلالته في هذا الصدد : "إذا كان ضياع الحق في سكوت أهله عليه فما ضاع حق من ورائه طالب، وأن حق الأمة المغربية لا يضيع ولن يضيع ".
كما أكد جلالته من خلال خطابه نظرته الصائبة وطموحاته النبيلة في صيانة وحدة المغرب حيث قال جلالته بهذا الخصوص "فنحن بعون الله وفضله على حفظ كيان البلاد ساهرون، ولضمان مستقبلها المجيد عاملون، ولتحقيق تلك الأمنية التي تنعش قلب كل مغربي سائرون".
لقد كان خطاب جلالته رسالة واضحة المعالم والمضامين لأصحاب المطامع الاستعمارية حيث أوضح أن عرش المغرب يقوم على وحدة البلاد من شمال المغرب الى أقصى جنوبه، وأن مرحلة الحماية ما هي إلا مرحلة عابرة في تاريخ المغرب، شكلت في حد ذاتها حافزا رئيسيا لوعي المغاربة بأهمية الموقع الجغرافي الذي يحتله المغرب.
ولعل اختيار مدينة طنجة له دلالاته الكبرى التي خصها جلالة المغفور له بقوله "وأن نزور عاصمة طنجة التي نعدها من المغرب بمنزلة التاج من المفرق، فهي باب تجارته ومحور سياسته ...". بالإضافة إلى ذلك، فقد كان لهذه الزيارة جانب روحي، إذ ألقى أمير المؤمنين جلالة المغفور له محمد الخامس يوم الجمعة11 أبريل خطبة الجمعة وأم المؤمنين في الصلاة بالمسجد الأعظم بطنجة، وحث الأمة المغربية على التمسك برابطة الدين فهي الحصن الحصين للأمة المغربية ضد مطامع الغزاة .
لقد كان للرحلة الملكية إلى طنجة وقع بمثابة الصدمة بالنسبة لسلطات الحماية، وأربكت حساباتها ودفعتها إلى عزل المقيم العام الفرنسي "ايريك لابون" ليحل محله الجنرال "جوان" الذي بدأ حملته المسعورة على المغرب بتضييق الخناق على القصر الملكي وتنفيذ مؤامرة النفي.
وجاءت زيارة جلالته رضوان الله عليه لمدينة تطوان في التاسع من أبريل سنة 1956، ليزف منها بشرى استقلال الأقاليم الشمالية وتوحيد شمال المملكة بجنوبها، وكان جلالته قادما من إسبانيا بعد أن أجرى مع القادة الإسبان مفاوضات تهم استكمال الوحدة الترابية للمملكة والتي توجت بالتوقيع على معاهدة 7 أبريل 1956، المعاهدة التي تعترف بموجبها دولة إسبانيا باستقلال المغرب وسيادته التامة على كافة أجزائه.
وهكذا ألقى جلالة المغفور له محمد الخامس خطابا تاريخيا وسط ما يفوق 200 ألف مواطن من سكان مدينة تطوان استهله بقوله "وبالأمس عدنا من ديار فرنسا ووجهتنا عاصمة مملكتنا رباط الفتح لنزف منها الى رعايانا بشائر الاستقلال، واليوم نعود من رحلتنا من الديار الإسبانية ووجهتنا تطوان قاعدة نواحي مملكتنا في الشمال وتحت سماء هذه المدينة قصدنا أن يرن صوت الإعلان بوحدة التراب إلى رعايانا في جميع أنحاء المملكة وذلك رمزا إلى تتميم هذه الوحدة وتثبيتها في الحال".
وأكدت المندوبية السامية والمجلس الوطني المؤقت لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أنهما وهما يحييان هاتين المناسبتين الخالدتين فانما يرميان إلى إثراء الذاكرة الوطنية وصيانتها والتعريف بفصول الكفاح الوطني لتستلهم الأجيال القادمة معاني الجهاد والوحدة البطولية والعمل المتواصل من أجل تثبيت أمجاد الأمة المغربية على طريق الازدهار الشامل حتى تتبوأ في عالم اليوم والغد مكانتها المتقدمة بين أمم العالم، أمة واحدة بانية وعاملة ووفية لماضيها وتراثها ومعالم نضالها وقيم جهادها الحضاري.