زكريا موسوي تراجيديا

السبت 08 أبريل 2006 - 15:54
زكريا الموسوي

بين مدينة مراكش، من حيث هاجر الأب في منتصف الستينات من القرن الماضي، ومدينة ألكسندريا، شرق الولايات المتحدة حيث يحاكم الابن، مسافة 38 عاما من التراجيديا، هي عمر زكريا موسوي الذي قد ينتهي على كرسي الحقنة القاتلة، بعد أن اعتبرته هئية المحلفين مذنبا واضعة ال

ولأن أفضل وصف للشخص لا يمكن أن يصدر إلا عن قريب منه، فقد رسم له شقيقه الأكبر عبد الصمد صورة تلخص مسار الفشل في كل شيء، بما في ذلك عدم المشاركة الفعلية في هجمات 11 سبتمبر، وبالتالي تفويت فرصة "الشهادة"، وما تضمنه لصاحبها من نعم خالدة في فقه القاعدة.
يقول عبد الصمد عن زكريا في كتاب "زكريا موسوي : صناعة إرهابي" الذي صدر عام 2003 : كان شديد الهشاشة بسبب إحساسه بالإخفاق في كل شيء، علاقته بأمه متوترة، ولم يكن يُعتبر مناسبا لصديقته، وكان عليه أن يواجه باستمرار المواقف العنصرية، وقد حيل بينه وبين تحقيق حلمه بمواصلة الدراسة.

في ذلك الوقت لم يكن يعرف شيئا عن الإسلام كما لم يكن يعرف العربية، مادامت الأم لم تهتم، أو لم تستطع، تعليم هذه الأمور لأبنائها بدأت الخطوط الأولى للمأساة قبل أن يتجاوز الطفل عامه الثالث، بانفصال الأبوين بالطلاق.
وكان زكريا قد ولد في مدينة سانجان دولوز، في جنوب غرب فرنسا، عام 1968، بعد عام ونصف على ميلاد الشقيق عبد الصمد، وسبقتهما معا الأختان الأكبرنادية وجميلة المولودتان قبل هجرة الأسرة من مراكش.

أصبحت الأم المهاجرة والمطلقة، عائشة، التي تزوجت في سن الرابعة عشر، مسؤولة عن أسرة الأبناء الأربعة، لتشق طريقها في حياة الاغتراب من الصفر، وفي غياب أي مؤهل مهني بدأت عاملة نظافة، لكن الإصرار والاجتهاد أوصلاها لاحقا إلى عاملة بريد في شركة الاتصالات الفرنسية تيليكوم.
وعلى غرار أغلب الأسر المغاربية في فرنسا عاشت الأسرة فقيرة، وسكنت المنازل التي توفرها البلدية بالضواحي الفقيرة، وبذلك قد يكون للأم بعض العذر إن كانت "مزاجية ونادرا ما أظهرت الحنان لأبنائها"، كما يسجل الابن عبد الصمد.

ارتبط الطفل ثم المراهق زكريا بشقيقه الأكبر، وعلى غرار من يترعرع في تلك التجمعات الفقيرة كان وعيهما بالعصابات وبالعنصرية يتزايد مع تقدمهما في السن وشكلت العنصرية الشر الكبير الذي يفرض نفسه كل يوم لكن بينما كان عبد الصمد ينزعج منها ويتحدث عنها باستمرار مع أخيه وأصدقائه، كان زكريا يميل إلى كظم غيظه ويرفض بوح التنفيس
لم يجد زكريا الخلاص في علاقته بصديقة التي استمرت عشر سنوات، فهي تنتمي إلى طبقة أعلى، وبتالي لم يكن والداها راضيين عن علاقتها بابن الضاحية.

في الدراسة لم يكن حظ الطالب أفضل من العاشق، فبعد سنوات متعثرة في التعليم الأولي والإعدادي فشل في الالتحاق بالمدرسة الثانوية، ليجد نفسه عالقا في سلسلة من معاهد التعليم المهني.
الهشاشة والتهميش والإقصاء والجهل بالإسلام وباللغة العربية، إنها الخصائص المميزة لدى الطرائد المفضلة، والسهلة،التي يستهدفها خطاب الإسلام السياسي المتطرف، على خلفية "الملحمة الأفغانية" والموجة الوهابية التي أنجبت أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.

بات ابن المهاجر إذن مهيأ لمسار "الجهاد"، ففي التسعينيات من القرن الماضي أقام في لندن وسط حي المهاجرين في بريكستون، حيث درس التجارة الدولية، وفي الوقت نفسه تردد على المساجد حيث تتركز أوساط الإسلاميين المتطرفين على طريقة بن لادن
وخلال تلك المرحلة قالت والدته إنه "خضع لغسل دماغ حقيقي"، فحينها انضم الى تيار الإسلام المتطرف وأطلق لحيته.
بات الطريق سالكا إلى عوالم "الإسلام الحقيقي"، إذ سافر عدة مرات إلى باكستان، الباب المؤدي إلى معسكرات التدريب في أفغانستان.

وفي 23 فبراير 2001 وصل الشاب زكريا حليق الرأس وبلحية قصيرة جدا ومشذبة بعناية، إلى الولايات المتحدة، حاملا تأشيرة دخول كطالب ورصيده 35 ألف دولار في معهد الطيران في نورمان، بولاية أوكلاهوما، لم يظهر كفاءة عالية فرفض المدربون قيامه بالطيران وحيدا.
أما في المسجد فقد تميز بأصوليته معتبرا كرة القدم حراما وتتعارض مع الإسلام في غشت 2001 تسجل في معهد طيران آخر بولاية مينيسوتا وتابع دروسا حول قيادة طائرة "بوينغ 747".

وعرض دفع تكاليف تدريبه البالغة ثمانية آلاف دولار نقدا لكنه أثار فضولا فأبلغ مسؤولو المعهد عنه السلطات وبعد ان انتهت مدة تأشيرة الدخول اعتقلته أجهزة الهجرة واستجوبه مكتب التحقيقات الفدرالي لكنه رفض التعاون، وفي غياب عناصر لاتهامه أطلق سراحه، ولم يدرك إف بي آي خطأه إلا بعد اعتداءات 11 سبتمبر، فبادر إلى اعتقال الطالب الطيار الذي اعترف علنا بانتمائه إلى القاعدة.




تابعونا على فيسبوك