يردد زعيم تحالف وسط اليسار رومانو برودي، كلما وضع أمام سؤال السلطة، أنه سبق له أن ترأس الحكومة، كما ترأس المفوضية الأوروبية، وأنه لم يبق له من طموح سوى إعادة الثقة لإيطاليا وللأجيال الصاعدة، واعدا الناخبين بمعركة طويلة النفس من أجل وقف "التردي الأخلاقي وا
ويعيب بعض المحللين السياسيين على برودي، البالغ من العمر66 عاما، ترديد مثل هذه الشعارات لكونها لا تصلح لأن تكون عناوين حملة انتخابية، على اعتبار أن "العرق والدموع" لا يدغدغان أحلام الناخبين غير المنتمين سياسيا، سيما وأن المعسكر المنافس رفع من سقف الوعود الانتخابية، وذهب إلى حد الالتزام بإلغاء بعض الضرائب
وعود يصعب تحقيقها، حسب العارفين، ولكنها قد تؤثرعلى اختيار الناخب لما تمثله الضرائب من ثقل على كاهله.
ففي كثير من خطبه وتصريحاته، لا يعد أستاذ الاقتصاد الصارم، الإيطاليين سوى بأوراش الإصلاح التي لن تظهر نتائجها، على كل الأحوال، في المستقبل العاجل، بل تتطلب المزيد من التضحيات والجهود، كأوراش تطهير المالية العمومية ومحاربة التهرب الضريبي واستعادة الأخلاق لمكانتها في العمل السياسي ببلد تحول في رأيه إلى "مرفق خاص تنخره المصالح الشخصية".
ويرى برودي أن تحقيق الإقلاع الاقتصادي لإيطاليا يتطلب إحداث قطيعة مع الممارسات السياسية الحالية، والتحلي بالجدية والمسؤولية والأخلاق وتقديم التضحيات ولا يعوز برودي الرصيد السياسي، فسجله حافل بالإنجازات.
ففي سنة 1982 وبعد تقلده مهام وزير الاقتصاد، عين برودي، الحاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة ميلانو، على رأس معهد إعادة البناء الصناعي، أكبر مجموعة عمومية بإيطاليا وتمكن من إعادة التوازن إلى مالية هذه المؤسسة التي أشرفت على الإفلاس.
وفي خضم الإعصار الذي عصف بالأحزاب التقليدية في مطلع التسعينات، بفعل الشكوك التي أثارتها الحملة القضائية "أيادي نظيفة"، حيث انكشف تورط العديد من زعماء الأحزاب في فضائح، ولأنه لم يكن ينتمي لأي حزب سياسي تمكن برودي من الإمساك بمقاليد تحالف وسط اليسار، ليقوده إلى الفوز بالانتخابات التشريعية لسنة 1996.
وترأس برودي الحاصل أيضا على الشهادة العليا من مدرسة العلوم الاقتصادية بلندن، أول حكومة إيطالية ذات توجه يساري منذ الحرب العالمية الثانية، والتي كانت مطالبة بتوفير شروط انخراط إيطاليا في منطقة الأورو عام 1999.
ورغم التوقعات المتشائمة، تمكن برودي من كسب الرهان، إذ أعاد التوازن إلى مالية البلاد في الوقت المطلوب غير أن نشوة النصر لم تعمر طويلا، لأن ثمن كسب رهان الأورو، والمتمثل في فرض ضرائب جديدة وسن سياسة مالية صارمة، أثار حفيظة أحد حلفاء برودي الأساسيين، حزب التجديد الشيوعي، الذي وجه ضربة موجعة لرئيس التحالف بسحب نوابه ثقتهم من الحكومة، خلال عملية تصويت بالثقة في أكتوبر 1998 .
وخلف ماسيمو داليما زعيم ديموقراطيي اليسار برودي في رئاسة الحكومة، بينما فضل هذا الأخير الانسحاب والانتقال إلى بروكسيل لترؤس المفوضية الأوروبية.
ورغم ما أنجزه على رأس المفوضية وخصوصا إشرافه على اعتماد الأورو كعملة موحدة وعلى توسيع الاتحاد الأوروبي نحو أعضاء جدد بأوروبا الشرقية في ماي2004، إلا أن ولايته أثارت العديد من الانتقادات.
وكان منتقدو برودي، يقولون بالخصوص إنه يعمل ببروكسيل وجل اهتمامه منصب على السياسة الإيطالية والعودة إلى معتركها وبعد عودته إلى بلاده عمل برودي جاهدا طيلة سنتين على جمع لحمة تحالف وسط اليسار الذي يضم خليطا غير منسجم من أحزاب الوسط المسيحي واليسار ومن أقصى اليسار.
ويعتبر متتبعو الشأن العام الإيطالي أن تمكن برودي من تحقيق ذلك، وتوصله إلى وضع برنامج انتخابي للتحالف يعد إنجازا في حد ذاته فغالبا ما تسبب موقعه كنقطة جذب لتحقيق التوازن داخل هذا الخليط في إضعاف موقفه خصوصا وأنه لا يتوفر على حزب سياسي.
ولتفادي أية مفاجآت تمكن برودي في أكتوبر الماضي من فرض إجراء انتخابات أولية داخل التحالف المثير للجدل وتمخض هذا الاستحقاق عن فوزه بثقة أربعة ملايين من مناضلي أحزاب التحالف والمتعاطفين معها مما منحه التزكية كزعيم لهذه الأحزاب في الانتخابات التشريعية لتاسع وعاشر أبريل الجاري، دون منازع.
وظهر الخلاف واضحا بين برلسكوني وبرودي عندما تم التطرق للسياسة الدولية لإيطاليا خصوصا حول الحرب في العراق حيث جدد برودي التزام تحالفه بسحب القوات الإيطالية من هذا البلد "متى أمكن ذلك" في حال فوزه بالانتخابات.
وفي ندائه الأخير للإيطاليين قال برلسكوني أنه بإمكان حكومته أن تنجز أكثر مما حققته "ولكن إيطاليا مقاولة معقدة، علينا الآن أن نواصل عملنا، علينا أن نستكمل العمل لإقامة دولة أكثر حداثة، وأكثر فعالية تحمي حقوقنا، وأمننا وحريتنا" .
ومن جانبه قال برودي في ختام المواجهة التي اتسمت بالتوازن بين المتنافسين "إن تحالفنا يقترح حكومة موحدة نريد إعادة الثقة لهذا البلد، وتوحيده لمواجهة المعركة من أجل الرقي بإيطاليا إلى المكانة التي تعود لها، وإحلالها مكانها كفاعل أساسي في الشؤون العالمية، ولكننا لن نتمكن من ذلك إلا بتحقيق العدالة والانسجام الاجتماعي، لا يمكن أن نحقق ذلك في بلد منقسم على نفسه ".
وقد خضعت مواجهة الأمس لنفس القواعد التي حددت المواجهة الأولى، إذ أن القناة الأولى للتلفزة العمومية (راي أونو)، التي اختيرت لتقديم المواجهتين، حددت وقتهما في تسعين دقيقة، كما أن الوقت الممنوح للصحفيين لإلقاء الأسئلة، لم يتجاوز ثلاثين ثانية، فيما منحت للمتنافسين ثلاث دقائق للرد على التساؤلات.
واعتبر العديد من المحللين ووسائل الإعلام الإيطالية أن زعيم تحالف وسط اليسار كان أكثر إقناعا خلال المواجهة الأولى التي بلغ عدد متتبعيها 16 مليون مشاهد
وجاءت المواجهة الثانية في وقت لازالت فيه المعارضة متقدمة بنحو أربع نقاط، على تحالف وسط اليمين حسب نتائج الاستطلاعات الخاصة بنوايا التصويت، التي تم توقيف إجرائها منذ نهاية مارس الماضي.
وكانت هذه الاستطلاعات قد حددت نسبة الناخبين الذين لم يحسموا بعد أمرهم بخصوص الجانب الذي سيصوتون لفائدته بحوالي خمسة وعشرين بالمائة من مجموع الناخبين.