ناجي العلي : أسطورة واخزة

الخميس 23 مارس 2006 - 10:51

في مقر الشرطة البريطانية "اسكوتلنديارد" في مكتب مليء بالملفات والحواسب، فوق الرفوف الخشبية محشو بالغبار، أو داخل حاسوب، ذاكرته كادت تنسي ذاكرتها، ملف مطوي منذ سنوات، لاهو مفتوح، ولاهو مقفل، جريمة قتل سجلت ضد مجهول، وضحيتها رسام كاركاتير فلسطيني، كان يعيش


تسعة عشر سنة مرت على اغتيال ناجي العلي، مرَّت وقتلتهُ يواصلون قتل فلسطين التي لأجْليها رسم ناجي العلي وتشرد، وتعذب، ومات، حنظلة وحده يجلس داخل ملف الشرطة، يحملق في عيني القاتل المعلوم (1).

أطلق عليه أحد الإرهابيين الرصاص في صيف 1987 في أحد شوارع لندن، وهو في طريقه الى مقر جريدة القبس، وبالضبط في 1987/07/22، اخترقت الرصاصة صدغه الأيمن لتخرج من الأيسر وفرَّ الجاني هارباً، سقط ناجي العلي في بركة من دمائه، وفي يده اليمنى مفاتيح سيَّارته وتحت إبطه الأيسر رسومات يوميه تاركا خلفه زوجته "وداد" أخت صديقه الحميم "محمد نصر"، وأم أولاده "خالد، أسامة، ليال، جودي" ودفن في مقابر "بروك وود الإسلامية" بلندن بعدما رفضت السلطات البريطانية نقل جثمانه إلى مخيم عين الحلوة كما أوصى بذلك.

-2 مولده ونشأته : ناجي العلي من مواليد قرية الشجرة في الجليل الفلسطيني سنة 1936، لجأ إلى لبنان منذ سنة 1963، في منتصف الخمسينات، عمل بالسعودية، ثم التحق بالعمل الصحافي في الكويت، اعتبارا من سنة 1963، رساما ومحررا صحافيا ثم عمل بعدها في الصحافة اللبنانية، منذ بداية السبعينات أصدر كتابا كاريكاتوريا سنة 1970 .

بدأ ولعه بالرسم منذ كان صبيا صغيرا، فقد عشق حصص الرسم في طفولته وشجعه معلمه "أبوماهر اليماني" على الرسم، ومازالت كلماته عالقة في ذهن ناجي : " أرسم لكن دائما عن الوطن"، وظل كذلك بالفعل، ونقل رسمه من ورق الكراسات إلى جدران المخيمات، ثم جدران السجون والزنزانات فيما بعد، وأول ظهور لأعمال ناجي العلي كرسام كاريكاتور معترف به كان على يد الصحافي "غسان كنفاني" حينما حضر إلى مخيم "عين الحلوة" وشاهد لوحات ناجي العلي فأخذها ونشرها في جريدة الحرية، وكانت أولى لوحاته عبارة عن خيمة تعلو قمّتها يد مصممة على التحرير، وفي مجلة "الحرية" العدد 88 يوم الاثنين 25 شتنبر 1961 وتحت عنوان "ينتظر أن نأتي" قدم غسان غنفاني ناجي العلي للإعلام.
وليس أصعب على رسام الكاريكاتير من أن يكون آلة تنفيذ أفكار الآخرين الكاريكاتير متعتي الوحيدة، وعزائي الوحيد الذي أواجه حصارات الآخرين".

-3 أعماله : يقول ناجي العلي : "لقد استطعت أن أحقق صلة بيني وبين الجماهير وازداد يقيني رسوخا بأهمية الكاريكاتير في المواجهة بدأت الثورة، وبدأت النقد، ولم أترك أي أحد من شري" لا أريد أن أدغدع عواطف الناس وأضحكهم، أو أعمل لهم لوحة فنية جميلة تنال استحسان فئات منتخبة منهم، أريد أن أُأْذّن في آذان الناس وأقول لهم أين قضيتم وإلى أين وصلت؟ أريد أن أرسم للناس البسطاء الذين يفكون الخط والذين لايقرأون ولايكتبون، عشرون سنة أرسم فيها ولازلت .

-4 ورغم كثرة أعماله وتعددها نشر له أكثر من 40 ألف لوحة بخلاف مامنع نشره فإنها لم تكن تأتيه كيفما أتفق، بل كان يعاني كثيرا أثناء عملية الإبداع.

لقد تحول فن السخرية في عالم ناجي العلي، إلى كون من الأحزان فالموت يلازم رسوماته، الموت المتكرر بطعنات الأخوة والأصدقاء والموت بالقنابل الإسرائيلية، والموت جوعا بكاتمات الصوت أو تحت سياط الأنظمة العربية، والموت حبا والموت كمدا.

حفر ناجي العلي مكانته عميقا في الوجود العربي خصوصا الفلسطيني، فضل أثره باقيا بعد مرور عقد من الزمن على رحيله، لم يكن ناجي العلي نكهة ما، أو موضة يغيبها الزمن، بل نقطة تقاطع ساطعة لآمال وتطلعات أمته، لقد اختار موقعه في الخندق المقابل إلى جانب شعبه وأمته وكأنه أراد لنفسه أن يكون صوت الجماهير المعبر عن تطلعاته وآمالها عن رؤية البلاد حرة من الاحتلال قوية موحدة في وجه مطامع الأعداء.

- 5 حنظلة في أعماله : كان ناجي العلي يحب حنظلة فقد قال عنه بكل فخر : "هذا المخلوق الذي ابتدعته لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ، أذا قلت إنني قد أستمر به بعد موتي".

ولد حنظلة في الكويت عام 1969 في السياسة الكويتية ولم يطلب به ناجي الشهرة أو التميز عن باقي الفنانين، بقدر ما طلب من حنظلة نفسه ان يكون ضميره اليقظ وقلبه النابض، رسمه صبيا في العاشرة من عمره، واختار أن يكون طفلا ليعبر عن البراءة، والصدق، وأسماه حنظلة كتعبير عن المرارة كرمز لمرارة الألم، لم يكن حنظلة شخصية ثابتة غير نامية، وإنما كان شخصية حية نابضة تختلف مواقفها حسب سياق الواقع من حولها.

إن حنظلة رمز للإنسان الفلسطيني المشرد، لأن مظاهر القهر بادية عليه من رجليه الحافيتين دائما وثوبه المرقع، ورأسه الذي تشع منه أشواك حادة كقطعة من الصبار التي تدمي مضاجع العدو، إنه طفل "الصباح البسيط الفاجع" كما يحلو لمحمود درويش أن يسميه، لقد أولانا قفاه منصرفا إلى حكمته الخاصة.

- 6 أما عن مراحله، فلقد رسمه ناجي صبيا فتيا، مقاتلا متفاعلا فتارة يكون شاعرا، وتارة يكون جنديا، وبعد حرب أكتوبر 1973، أدار حنظلة ظهره للقراء وتشابكت يداه الصغيرتان معا خلف ظهره، وسكت عن الكلام، ربما ليكون مجرد شاهد وضمير أمة إن حنظلة لم يمت لأن فلسطين أمانة في عنقه، وحنظلة لن يخون أبدا.

وبالطبع، لم تكن يا ناجي مبالغا حين قلت : "لا أبالغ إذا قلت إنني قد أستمر به بعد موتي، فقد ظل حنظلة يذوق المرار، وتذوقه معه كمدا وأسفا، ولا أدري إن ظل ناجي معنا حتى يومنا، هل كان سيكتفي حنظلة بإدارة ظهره وعقد كتفيه أم تراه سيتمدد من أثر المرار .





تابعونا على فيسبوك