في رابع حضور لها ضمن فعاليات الأبواب المفتوحة للأمن الوطني، التي تحتضنها العاصمة الرباط في دورتها السابعة، تكشف «القوة الخاصة»، التابعة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، عن وجه آخر من العمل الأمني الدقيق، وجه تتداخل فيه الصرامة بالجاهزية، وتتحول فيه الخبرة الميدانية إلى منظومة متكاملة صممت للتعامل مع أخطر التهديدات وأكثرها تعقيدا.
وإذا كانت هذه التظاهرة الأمنية تشكل مناسبة للاقتراب من بعض جوانب العمل الشرطي، فإن حضور هذه الوحدة يظل دائما استثنائيا بطبيعته، بحكم نوعية مهامها التي تمارس في صمت، بعيدا عن الأضواء، ووفق بروتوكولات صارمة تضبط كل تفاصيل التدخل، في توازن دقيق يراعي حماية أرواح المواطنين وعناصر الأمن على حد سواء.
نخبة الظل
يطلق عليها المهتمون بالشأن الأمني اسم «نخبة النخبة»، ليس من باب المبالغة، بل لما تتوفر عليه من عناصر متمرسة عالية التأهيل، خضعت لتداريب متقدمة تشمل القتال القريب، الرماية الدقيقة، اختراق الحواجز، التعامل مع المتفجرات، وتأمين الشخصيات والمواقع الحساسة.
إنها كفاءات صقلت خبرتها داخل بيئات تدريبية تحاكي سيناريوهات ميدانية بالغة التعقيد، حيث لا مجال للخطأ ولا هامش للاجتهاد غير المحسوب. فكل حركة مدروسة، وكل تدخل محكوم بمنطق الدقة والسرعة والحسم.
في تصريح لأحد عناصر فرقة التدخل يؤكد، لـ«الصحراء المغربية»، أن العمل داخل هذه الوحدة يقوم على «تدريب يومي صارم يشمل اللياقة البدنية، الفنون القتالية والدفاع عن النفس، والرماية الدقيقة، وتقنيات التدخل والتسلق»، مضيفا أن هذا الإعداد المستمر يجعل عنصر «القوة الخاصة» في حالة جاهزية دائمة للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة.
وذكر أن التداريب تجري وفق برنامج مدروس بعناية، يضمن بقاء العنصر الأمني في جاهزية دائمة لأي مهمة، مهما كان نوعها أو درجة تعقيدها.
وبهذا القدر من الجاهزية والانضباط، فإن الالتحاق بهذه الوحدة لا يتم بسهولة، إذ يخضع اختيار عناصرها لمعايير دقيقة تشمل التوفر على مسار رياضي متميز، وقدرات بدنية استثنائية، ومستوى جيد من الثقافة العامة، إلى جانب شخصية قوية قادرة على تحمل ضغط المهام وتعقيداتها، بما يضمن الرفع المستمر من مستوى الأداء الميداني.
ولا يقف تميز هذه الوحدة عند مستوى التأهيل والتكوين فقط، بل يمتد أيضا إلى طبيعة اشتغالها القائمة على السرية والانضباط العملياتي. فرغم حضورها القوي، تبقى أدوار «القوة الخاصة» طي الكتمان، بحكم المهام الحساسة التي تضطلع بها، والتي تجعل الإحاطة بكل تفاصيل اشتغالها أمرا بالغ الصعوبة.
ترسانة متطورة
تعود نشأة «القوة الخاصة» إلى سنة 2015، مع إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية، حيث أنيطت بها مهام محورية في تعقب الخلايا الإرهابية وتفكيكها، وإجهاض مخططاتها قبل بلوغ مرحلة التنفيذ، بما يضمن تحييد الخطر وصون أمن واستقرار البلاد. كما تضطلع بدعم ميداني نوعي في العمليات المرتبطة بمحاربة الجريمة المنظمة، إلى جانب مختلف مصالح المديرية العامة للأمن الوطني، وأيضا في تطهير بؤر الجريمة.
وتتكون من وحدات متخصصة ومترابطة، تشمل وحدات التدخل والمداهمة، ووحدات الحماية المقربة وتأمين الشخصيات والمنشآت الحساسة، إضافة إلى وحدات القناصة والمتسلقين والوحدات التقنية المتقدمة، فضلا عن تخصصات دقيقة في التعامل مع المتفجرات، واستخدام الطائرات المسيرة (الدرون)، التي أصبحت جزءا محوريا من أدوات الرصد والدعم الميداني.
وتعرف «القوة الخاصة» دينامية متواصلة على مستوى التحديث، من خلال الاستفادة من أحدث الوسائل اللوجستيكية والتقنية الموجهة لدعم العمليات الميدانية. ففي سنة 2024، جرى إحداث فرقة الدراجين إلى جانب وحدة متخصصة في تشغيل المسيرات (الدرونات)، في خطوة عززت قدرات التدخل السريع والمراقبة الدقيقة.
واليوم جرى تزويد هذه الفرقة بدراجات نارية عالية الأداء وسريعة، يؤكد المتحدث، مشيرا إلى أنه إلى جانب ذلك، وفرت إليها أنواع جديدة من معدات التسلق وأجهزة تقنية متقدمة، فضلا عن «طائرات مسيرة» ذات قدرات عالية في التصوير والرصد، ما يعزز من فعالية التدخل في مختلف الظروف الميدانية.
احتراف ميداني
خلال العروض التي تقدمها «القوة الخاصة» في الأبواب المفتوحة، يتجلى جانب من تمرس هذه العناصر وأساليب اشتغالها المتطورة.
فاستعراض تقنيات التدخل، ونوعية الأسلحة المتطورة المستخدمة، والمركبات المصفحة المعتمدة، إلى جانب كيفية تنسيق العمليات في ظروف تحاكي الواقع العملياتي، أتاح للزوار الوقوف عن قرب على مستوى الجاهزية والدقة التي تطبع تدخلات هذه الوحدات. غير أن أكثر ما لفت انتباههم فلسفة الاشتغال الدقيقة لعناصر الوحدة، التي تقوم على تحييد الهدف بأعلى درجات الضبط، مع تفادي أي أضرار محتملة قد تطال العناصر الأمنية أو المستهدف أو حتى المدنيين المحيطين بمسرح التدخل.
وهذا ما يبرز حجم التحضيرات المسبقة التي تفرضها هذه النوعية من المهام، والتي قد تمتد لأسابيع من التخطيط وجمع المعلومات وتحليلها قبل اتخاذ قرار التنفيذ، في إطار مقاربة استباقية تراهن على الدقة والسرعة وتقليص المخاطر إلى أدنى مستوى ممكن.
ومعلوم أن عناصر هذه القوة شاركوا فعليا خلال السنوات الماضية في معظم العمليات الكبرى لتفكيك الخلايا الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة، في إطار تدخلات دقيقة طبعتها السرعة والحسم والفعالية.
وهي تشتغل، بتنسيق مع الذراع القضائي للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وهو المكتب المركزي للأبحاث القضائية، وباقي مصالح الإدارة. ويجري الاستعانة بها، بشكل كبير، من طرف «البسيج» للقيام بالعمل الميداني، كما أنها تسهر على تأمين المبنى الذي يضم المكتب المذكور.
الإرهاب يتراجع أمام يقظة المغرب الأمنية
أسفرت الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية في مواجهة التهديدات الإرهابية عن تراجع ملحوظ في عدد الخلايا المفككة، إذ انخفضت من أكثر من 21 خلية سنة 2015، إلى ما بين 4 و5 خلايا سنويا خلال السنوات الخمس الأخيرة.
ومنذ تأسيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية «البسيج»، وبفضل التنسيق المستمر مع مختلف المصالح الأمنية، جرى تفكيك 90 خلية إرهابية إلى حدود منتصف السنة الماضية، من بينها 84 خلية موالية لتنظيم «داعش».
كما مكنت هذه العمليات من إيقاف أكثر من 1500 شخص خلال العشر سنوات الأخيرة، في سياق مقاربة أمنية مندمجة ساهم فيها التعاون الوثيق بين المكتب المركزي والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بما عزز قدرة المغرب على مواجهة التحديات المرتبطة بالجماعات المتطرفة على المستويين الإقليمي والدولي.
ويعزى هذا النجاح في إحباط المخططات التخريبية إلى توظيف التقنيات الحديثة في الرصد والتحليل، وتعزيز آليات التعاون الدولي وتبادل المعلومات الأمنية، ما جعل المغرب شريكا موثوقا وفاعلا أساسيا في المنظومة الأمنية الإقليمية والدولية، وفق ما تم التأكيد عليه خلال تقديم مشروع الميزانية الفرعية لوزارة الداخلية أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب.
يشار إلى أن الأجهزة الأمنية المغربية نجحت، منذ سنة 2002 وإلى نهاية السنة الماضية، في تفكيك أكثر من 200 خلية إرهابية، في حصيلة تعكس مستوى اليقظة الأمنية واستمرارية الجهود الاستباقية في مواجهة التهديدات الإرهابية.
المملكة من الدول «الأكثر مناعة وتحصينا»
كرس المغرب موقعه ضمن الدول الأكثر أمنا واستقرارا على الصعيد الدولي، بعدما صنفه مؤشر الإرهاب العالمي (GTI) الصادر، أخيرا، عن معهد الاقتصاد والسلام ضمن خانة البلدان «الأكثر مناعة وتحصينا» ضد مخاطر الهجمات الإرهابية.
وجاء هذا التصنيف في النسخة الجديدة للمؤشر لسنة 2026، الذي شمل 163 دولة، اعتمادا على معايير دقيقة تقيس حجم التأثير الإرهابي، من بينها عدد الهجمات والوفيات والإصابات، فضلا عن الخسائر المادية، وذلك استنادا إلى قاعدة بيانات الإرهاب العالمية التابعة لجامعة «ميريلاند».
ووضع التقرير المغرب ضمن فئة «الدول غير المتأثرة بالإرهاب»، محتلا المرتبة 100 عالميا برصيد صفر من عشر نقاط، في مؤشر تمنح فيه أعلى الدرجات للدول الأكثر تضررا من الظاهرة.
وأظهر هذا التصنيف فعالية المقاربة الأمنية الاستباقية التي تنهجها المملكة، وقدرتها على الاستجابة السريعة لمختلف التهديدات، ما جعلها نموذجا إقليميا في مجال مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار.