صدر حديثا الجزء الثاني من كتاب "السياحة المغربية.. الأمل الدائم" للخبير والفاعل السياحي عبد الهادي العلمي، تحت عنوان فرعي "انتعاشة استثنائية"، وذلك بعد مرور أكثر من عقدين على صدور الجزء الأول من هذا المؤلَّف الذي تناول واقع السياحة بالمغرب وآفاق تطورها.
ويأتي هذا الإصدار الجديد، الذي يقع في أكثر من 280 صفحة، ليسلط الضوء على التحولات التي شهدها القطاع السياحي المغربي خلال السنوات الأخيرة، وخاصة الانتعاشة اللافتة التي أعقبت الأزمة الصحية العالمية، من خلال مجموعة من التحليلات والمعطيات والمؤشرات القطاعية التي تساعد على فهم أسباب هذا التحول وأبعاده الاقتصادية.
ويستعرض المؤلف المسار الذي قطعته السياحة المغربية على مدى عقود، باعتبارها أحد المحركات الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمملكة، ومصدرا مهما لخلق فرص الشغل وتعزيز الانفتاح على الأسواق الدولية واستقطاب الاستثمارات.
ورغم الإمكانات الطبيعية والثقافية التي يتوفر عليها المغرب، وما رافقها من استراتيجيات قطاعية ومخططات وطنية وبرامج لدعم الاستثمار وتحسين العرض السياحي، فإن القطاع ظل، لفترات طويلة، يواجه تحديات مرتبطة بالفجوة بين مؤهلاته الكبيرة والنتائج المحققة على أرض الواقع.
غير أن مرحلة ما بعد جائحة "كوفيد-19" شكلت، بحسب ما يبرزه الكتاب، نقطة تحول بارزة في مسار السياحة الوطنية، بعدما تمكن المغرب من تحقيق انتعاشة قوية عززت موقعه ضمن أبرز الوجهات السياحية على الصعيد الدولي، ومكنته من اعتلاء صدارة الوجهات السياحية في القارة الإفريقية، متقدماً على أسواق عريقة في المجال، من بينها مصر وجنوب إفريقيا.
ويسعى عبد الهادي العلمي، من خلال هذا المؤلَّف، إلى تفكيك العوامل التي ساهمت في تحقيق هذه القفزة، مستندا إلى خبرة مهنية راكمها على مدى عقود في مجالات السياحة والفندقة والتدبير الاقتصادي، فضلاً عن توظيف مؤشرات رقمية ومعطيات مرجعية ورسوم تحليلية تسلط الضوء على تطور أداء القطاع.
ولا يقتصر الكتاب على رصد النتائج المحققة، بل يضع الانتعاشة السياحية في سياقها التاريخي والاقتصادي، من خلال العودة إلى مختلف المراحل التي مر بها القطاع، والجهود التي بذلتها المملكة لتعزيز تنافسيته وتوسيع قدراته على استقطاب السياح والاستثمارات.
ويكتسي هذا الإصدار أهمية خاصة بالنظر إلى المسار المهني لمؤلفه، الذي يعد من رواد القطاع الفندقي والسياحي بالمغرب. فقد ولد عبد الهادي العلمي سنة 1941 بمدينة فاس، وتلقى تكوينا قانونيا توج بحصوله على دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، قبل أن يلتحق بالمفتشية العامة للمالية عقب نجاحه في مباراة فوجها الرابع سنة 1964.
كما تابع تدريبا مهنيا متخصصا بوزارة المالية الفرنسية، وقام بمهام استطلاعية لدى مديرية التأمينات بباريس، خلال الفترة التي كان يشرف عليها ميشيل بونياتوفسكي، الذي تولى لاحقاً منصب وزير دولة في عهد الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان.
وجمع العلمي في مساره بين العمل في الإدارة العمومية والاستثمار الخاص والإعلام، إذ تولى تدبير شركة "ماروك توريست" لحساب الدولة بين سنتي 1967 و1976، قبل أن يؤسس شركة "دنيا للفنادق"، التي واصلت نشاطها في القطاع السياحي.
وإلى جانب تجربته الاقتصادية، خاض المؤلف تجربة إعلامية من خلال عدد من المنابر الصحفية، كما أصدر عدة مؤلفات، والجزء الأول من كتاب "السياحة المغربية.. الأمل الدائم".
ويمثل الجزء الثاني من هذا العمل امتدادا لاهتمام عبد الهادي العلمي بتطور السياحة الوطنية، ومحاولة لتوثيق مرحلة مفصلية في تاريخ القطاع، انتقل خلالها المغرب من مواجهة تداعيات أزمة عالمية غير مسبوقة إلى تحقيق نتائج عززت مكانته على الخريطة السياحية الإفريقية والدولية.
ويقدم الكتاب، بذلك، قراءة تستند إلى التجربة الميدانية والتحليل القطاعي لفهم مسار السياحة المغربية، في وقت تتجه فيه المملكة نحو ترسيخ مكاسبها السياحية ومواصلة تطوير بنياتها التحتية وقدراتها الاستيعابية، بما يعزز مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي والتنمية المجالية وخلق فرص الشغل.