يثير ملف جلود الأبقار المستخلصة من عمليات الذبح بالمغرب نقاشا مهنيا متجددا، في ظل ما يعتبره فاعلون في القطاع اختلالا في طريقة تثمين هذه المادة الأولية، خاصة بالنسبة إلى جلود الأبقار المستوردة من البرازيل والأوروغواي، التي تمنح مجانا، مقابل بيع جلود الأبقار المحلية بسعر لا يتجاوز درهما واحدا للكيلوغرام.
ويطالب المهنيون اليوم بإيجاد صيغة متوازنة تضمن حسن استغلال هذه الثروة وتحقق قدرا من الإنصاف لجميع الأطراف المعنية.
في هذا السياق، أوضح هشام الجوابري، الكاتب الجهوي لتجار اللحوم الحمراء بالجملة بالدارالبيضاء، في تصريح لـ "الصحراء المغربية" أن جلود الأبقار الناتجة عن الذبح يمكن أن تمثل موردا إضافيا مهما إذا جرى تثمينها بشكل أفضل، مقترحا فتح باب تصديرها إلى الخارج للاستفادة منها اقتصاديا، بدل استمرار تصريفها بشروط يعتبرها المهنيون غير ملائمة.
وأشار الجوابري إلى أن الجزارين كانوا في السابق يستفيدون من عائد بيع الجلد بما يقارب 400 درهم للقطعة الواحدة، وهو مبلغ كان يساهم في تخفيف الكلفة النهائية للحوم الحمراء، وينعكس بشكل غير مباشر على الأسعار الموجهة للمستهلك. وقال "أما اليوم، فإن هذا المورد تراجع بشكل واضح، سواء بسبب مجانية بعض الجلود أو بسبب تدني سعر بيع البعض الآخر، ما حرم المهنيين من هامش كان يساعد على تحقيق نوع من التوازن في نشاطهم".
ويزيد من حدة هذا الجدل، حسب المتحدث، أن انخفاض تكلفة اقتناء الجلود أو حتى الحصول عليها مجانا لا ينعكس على أسعار المنتجات الجلدية النهائية، مثل الأحذية والأحزمة والملابس، التي ما تزال تسجل مستويات مرتفعة في السوق. وهو ما يطرح، وفق المهنيين، تساؤلات حقيقية حول حلقات التوزيع والوسطاء المستفيدين من هذه المادة الخام دون أن يظهر أثر ذلك على المستهلك أو على الجزار.
ويكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي يحتلها قطاع الجلود في المغرب، باعتباره أحد القطاعات ذات الامتداد التاريخي والاقتصادي، الذي يجمع بين الحرفية التقليدية، لاسيما في مدن مثل فاس ومراكش، وبين صناعة حديثة موجهة للتصدير. كما يواصل القطاع تسجيل أداء لافتا، إذ تجاوزت صادرات الصناعة التقليدية للجلد 1.3 مليار درهم خلال سنة 2025، ما يعكس وزن هذه السلسلة في الاقتصاد الوطني.
على المستوى الميداني، أبرز الجوابري أن مجازر الدارالبيضاء وحدها تفرز يوميا نحو 500 قطعة جلد من نوع "بطانة"، دون احتساب ما تنتجه مجازر أخرى مثل مجازر زاوية سيدي إسماعيل وغيرها، ما يعني أن الأمر يتعلق بكميات مهمة تستدعي تدبيرا أكثر نجاعة ووضوحا، وقال "إلى متى سيتحكم فراقشية الجلود في هذا القطاع؟.
ويرى المهنيون أن معالجة هذا الملف تقتضي اعتماد مقاربة متوازنة، تضمن تثمين الجلود كمورد اقتصادي حقيقي، وتفتح المجال أمام حلول عملية، من بينها التصدير أو إعادة تنظيم السوق الداخلية بشكل أكثر شفافية. كما يأملون أن تفضي أي صيغة جديدة إلى تحسين مردودية القطاع، بما ينعكس إيجابيا على المهنيين وعلى أسعار اللحوم ومشتقات الجلد في آن واحد.
وفي انتظار بلورة معادلة ترضي الجميع، يظل ملف الجلود واحدا من الملفات الصامتة داخل سلسلة اللحوم الحمراء، رغم ما يختزنه من إمكانات اقتصادية قادرة على إحداث فارق ملموس إذا ما تم التعامل معها برؤية أكثر عدالة وفعالية.