شكلت الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة الخامسة لمنظمة التعاون الرقمي، المنعقدة بدولة الكويت والتي اختتمت فعالياتها أمس الخميس، محطة بارزة لمناقشة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث أجمع مسؤولون دوليون ووزراء من الدول الأعضاء على أن هذه التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة رقمية، بل أصبحت قضية استراتيجية عالمية تتطلب تنسيقا جماعيا وحكامة مشتركة.
وفي مداخلة رفيعة المستوى، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن البشرية مطالبة اليوم بتوجيه مسار الذكاء الاصطناعي بشكل جماعي ومسؤول، مشددًا على ضرورة بناء إطار دولي يضمن الاستفادة العادلة من هذه الثورة التقنية. كما أعلن عن مبادرات أممية مرتقبة تتعلق بعلم الذكاء الاصطناعي والحوكمة العالمية له، مجددًا التزام الأمم المتحدة بتعزيز التعاون مع منظمة التعاون الرقمي من أجل وضع ضوابط ومعايير مشتركة تحكم الاستخدام المسؤول لهذه التكنولوجيا.
من جهتها، حذرت الأمين العام لمنظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى من أن تطور الذكاء الاصطناعي يجري بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات والأنظمة التنظيمية على مواكبته، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق الفجوات الرقمية بين الدول والمجتمعات. ودعت إلى عمل متعدد الأطراف ومنسق وشامل يضمن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى رافعة لازدهار رقمي مشترك بدل أن يصبح عاملًا جديدًا للانقسام العالمي.
وخلال مداخلات الدول الأعضاء، شددت دولة الكويت، بصفتها رئيسة مجلس المنظمة لعام 2025، على أهمية الثقة والنزاهة في مسار التحول الرقمي، معلنة إطلاق حملة لمكافحة المعلومات المضللة على الإنترنت، إلى جانب تعزيز التعاون الوزاري بشأن الذكاء الاصطناعي وسلامة المحتوى الرقمي.
أما الأردن، فقد استعرضت التقدم المحقق خلال رئاستها لمجلس المنظمة في سنة 2024، مشيرة إلى اعتماد أجندة المنظمة للأعوام 2025–2028، وتوسيع الشراكات الدولية، وتطوير أدوات عملية لتعزيز جاهزية الدول في مجال الذكاء الاصطناعي.
وبصفتها الرئيس المقبل للمجلس لعام 2026، عرضت باكستان أولوياتها المستقبلية التي تشمل الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، والبنية التحتية الرقمية العامة، وتنمية المهارات، والأمن السيبراني، داعية إلى إقامة “ممرات للثقة الرقمية” بين الدول الأعضاء من أجل تعزيز التعاون وحماية المجتمعات الرقمية.
وسلطت السعودية الضوء على النمو المتسارع الذي تشهده المنظمة، وعلى التقدم في أطر الذكاء الاصطناعي المسؤول وحوكمة البيانات، مشيرة إلى استثمارات كبيرة في المواهب والقدرات الحاسوبية والطاقة المرتبطة بهذا القطاع. بينما دعت البحرين إلى التفاوض بشأن معاهدة دولية للذكاء الاصطناعي، معتبرة أن منظمة التعاون الرقمي تشكل منصة مناسبة لدفع حوكمة أخلاقية وسلمية لهذه التكنولوجيا.
وفي السياق ذاته، قدمت سلطنة عُمان برنامجها الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، مؤكدة أهمية الحوكمة المرتكزة على الإنسان وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات العامة. كما أعلنت قطر عن استثمارات كبرى في البنية التحتية الرقمية، وتطوير نموذج لغوي ضخم باللغة العربية، إلى جانب تنظيم قمة سنوية لتعزيز الحوار العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.
أما المغرب، فقد عرض مبادرات تهدف إلى ترسيخ موقعه كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي، من خلال إطلاق شبكة معاهد الجزري وتطوير برامج للتنمية المستدامة القائمة على الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات. فيما ركزت رواندا على توظيف هذه التكنولوجيا لتحقيق أثر تنموي ملموس في مجالات الصحة والزراعة والتكنولوجيا المالية، مع إبراز التعاون القاري عبر مجلس الذكاء الاصطناعي الإفريقي.
من جانبها، أكدت بنغلاديش أهمية الذكاء الاصطناعي الأخلاقي والمتمحور حول الإنسان، بينما شددت اليونان على العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية، في إطار مبادرات وطنية ومشاريع أوروبية متقدمة في هذا المجال.
وتعكس هذه المداخلات الدولية حجم الرهان العالمي على الذكاء الاصطناعي كرافعة للتحول الاقتصادي والاجتماعي، وفي الوقت نفسه كقضية تستوجب تنسيقًا دوليًا عاجلًا لضمان عدالة الاستفادة وتقليص الفجوات الرقمية، ومواجهة المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير المسؤول والتضليل المعلوماتي.
وتواصل منظمة التعاون الرقمي تعزيز دورها كفضاء دولي للحوار وبناء شراكات عملية، من أجل مستقبل رقمي أكثر شمولًا واستدامة في عصر الذكاء الاصطناعي.