كأس العالم 2030.. ما هي رهانات المغرب الحقيقية من وراء هذا الإنجاز؟

الصحراء المغربية
الثلاثاء 27 ماي 2025 - 10:40

بين الطموح الرياضي والرهانات الجيوسياسية، يجد المغرب نفسه في قلب أكبر تظاهرة كروية على وجه الأرض. لكن وراء الملاعب والبث التلفزيوني، هناك استراتيجية ناعمة تُدار بحسابات دقيقة، تبدأ من الدبلوماسية وتنتهي بالسياحة والاستثمار.

فبعد سنوات من الانتظار، وبعد خمس محاولات فاشلة، لم يكن فوز المغرب بشرف التنظيم المشترك مجرد انتصار رياضي، بل رسالة مدروسة للعالم: المغرب لاعب إقليمي يعرف جيداً كيف يفرض حضوره ويُحسن استثمار لحظته.

هذا التحليل، الذي نشره مركز تفكير إسباني مرموق، اسمه Fondacion Real Instituto Elcano، أكد أن كأس العالم 2030 ليس مجرد تظاهرة رياضية عابرة، بل تتويج لمسار طويل قادته المملكة المغربية منذ عقود، من أجل تأكيد حضورها الدولي وترسيخ صورتها كقوة إقليمية صاعدة.
ويُعرف هذا المركز بتحليلاته العميقة حول القضايا الدولية والاستراتيجية من منظور إسباني وأوروبي وعالمي.
وحمل التحليل عنوان "مونديال 2030: استعراض رسمي للقوة الناعمة المغربية فوق المستطيل الأخضر"، مع تساؤل عريض " ماذا يعني تنظيم المغرب لهذا الحدث؟ وما هي رهانات الرباط من وراء هذا الإنجاز؟

من الملاعب إلى الأمم المتحدة

لم يكن فوز المغرب بشرف التنظيم المشترك لكأس العالم مجرد ضربة حظ. فقد ترشحت المملكة خمس مرات خلال الثلاثين سنة الماضية، وكان كل ملف يعكس تطوراً في الطموح المغربي واكتمال عناصر القوة الناعمة التي يراهن عليها صناع القرار في البلاد.

فكما أن للدبلوماسية التقليدية قنواتها، فإن للمغرب أدوات أخرى للتأثير، لعل أبرزها في العقدين الأخيرين هو الاعتماد الذكي على الثقافة والرياضة والسياحة كوسائل لإبراز صورة بلد حديث، ومنفتح، ومستقر، وقادر على تنظيم أحداث عالمية بمعايير احترافية.

وفي هذا السياق، يشكل كأس العالم 2030 امتداداً لهذه الاستراتيجية التي تروم تحسين صورة المغرب في الخارج، وتقديمه كقوة مستقرة في منطقة مضطربة.

إن الرهان الأبرز للمغرب في السنوات الأخيرة يتمثل في حشد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. وقد حققت الرباط اختراقات لافتة في هذا السياق، أبرزها اعتراف إدارة ترامب بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية أواخر 2020، ثم المواقف الإيجابية المتتالية من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا، وصولاً إلى فرنسا التي وصفت في يوليوز 2024 المبادرة المغربية بـ"الأساس الوحيد" لحل النزاع.

كل هذا يأتي في إطار سياسة خارجية متجددة تنهجها المملكة، قوامها تنويع التحالفات مع الحفاظ على البعد الغربي، وتعميق العلاقات مع إفريقيا، وفتح قنوات استراتيجية مع قوى مثل روسيا وتركيا والصين.

إن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017، بعد غياب دام 32 سنة، كانت منعطفاً حاسماً. ومنذ ذلك الحين، ضاعفت المملكة استثماراتها في القارة، حيث وصلت في 2024 إلى 38 مليار دولار، حسب شركة BDO Maroc ويُنظر إلى هذه الدينامية باعتبارها جزءاً من رؤية بعيدة المدى لترسيخ النفوذ المغربي في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل.

كأس العالم منصة عرض للنموذج المغربي

في بلد يشكل فيه شغف كرة القدم جزءاً من الهوية الجماعية، لا يُنظر إلى تنظيم كأس العالم كحدث عابر، بل كمحطة تاريخية لعرض قدرات الدولة والمجتمع. فنجاح المنتخب المغربي في مونديال قطر 2022، ووصوله إلى نصف النهائي، بعث رسالة قوية للعالم حول ما يمكن أن يحققه بلد إفريقي عربي بإرادة جماعية وطموح واضح.

ولذلك، تسعى الرباط اليوم لتكرار هذا الزخم على مستوى التنظيم، مستفيدة من حالة الالتفاف الشعبي والدعم السياسي القوي، في مقابل فتور نسبي في إسبانيا والبرتغال تجاه نفس الحدث.

كأس العالم 2030 سيكون أيضاً مناسبة للاحتفال بمرور 100 عام على أول نسخة من البطولة. وسيمثل أول مونديال عابر للقارات، بعد ثلاث مباريات افتتاحية مرتقبة في الأرجنتين والأوروغواي، ليُستكمل لاحقاً بين أوروبا وإفريقيا. بذلك، يبعث برسالة أمل وتعاون بين ضفتي المتوسط، في زمن صار فيه هذا البحر مسرحاً للمآسي الإنسانية.

الرؤية السياحية والثقافية: صناعة بلد جذاب ومستقر
في خضم هذا الحراك، تواصل المملكة تعزيز موقعها كوجهة سياحية رائدة، إذ تطمح إلى استقبال 26 مليون سائح في أفق 2030، بعد أن سجلت 17,4 مليون زائر سنة 2024. كما تعمل على تنظيم مؤتمرات دولية، مهرجانات ثقافية، تظاهرات فنية ولقاءات كبرى، في إطار سياسة تروم جعل المغرب بلداً جذاباً ومتعدد الأبعاد.
وهذا جزء من مشروع أشمل يقوم على إبراز نموذج مجتمعي متسامح، يروج لإسلام معتدل، ويُظهر تقدماً في قضايا المرأة، كما عكسته إصلاحات مدونة الأسرة في 2004 و2024.

 المغرب يلعب على المدى البعيد

كأس العالم 2030 ليس فقط تتويجاً لطموح رياضي، بل هو تتويج لرؤية دولة تدير قوتها الناعمة بذكاء. الرهان لا يقتصر على الملاعب، بل يمتد إلى ملفات سيادية واقتصادية ودبلوماسية. إنها لحظة مغربية بامتياز، يُراد لها أن تكون نقطة تحول في مسار بلد يعرف جيداً كيف يراهن على المستقبل.




تابعونا على فيسبوك