سعد الناجح: مشروع قانون المالية 2024 يسعى إلى تعزيز استدامة المالية العمومية

الصحراء المغربية
الأربعاء 01 نونبر 2023 - 11:55

أكد سعد الناجح، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن مشروع قانون المالية 2024 يسعى إلى تعزيز استدامة المالية العمومية، من خلال تبني جملة من الإصلاحات التي فرضتها التحديات التي تواجه مالية الدولة، وأضاف الناجح، المتخصص في القانون الدولي الاقتصادي والاستثمار، في حوار مع "الصحراء المغربية"، أن مشروع مالية 2024، يسعى كذلك إلى التوفيق بين تحقيق الأهداف المرتبطة بالإقلاع الاقتصادي في ظل التقلبات التي تعرفها الساحة الدولية، من جهة، وأيضا الحرص على تحقيق الصمود الاقتصادي من جهة أخرى.

وأشار إلى أن الحكومة شرعت في إجراء إصلاح عميق للضريبة على القيمة المضافة خلال سنة 2024، وذلك في إطار الموازنة بين تحقيق الأهداف التي سطرتها في هذا المشروع، وتوفير الموارد الكفيلة لتنزيل ذلك.

 

أين تكمن أهمية مشروع قانون المالية لسنة 2024، وأهم المرتكزات التي يرتكز عليها؟
من المعلوم أن مشروع قانون المالية لعام 2024 في المغرب يعتبر جزءًا محوريا من التخطيط الاقتصادي والمالي للدولة. وفي هذا الصدد، تشير التوقعات إلى العديد من التحديات التي تنتظر تنزيل هذا المشروع، خاصة تلك المتصلة بالجوانب الاقتصادية والمالية، وذلك من منطلق اعتماد ميزانية الدولة إضافة إلى أداء الاقتصاد على تحسن مؤشرات الإيرادات، وهو ما يشكل ضغطا حقيقيا على الاقتصادي المغربي خاصة في هذه الظرفية، مع ما يشهده العالم من أزمات متمثلة بالأساس في تراجع نسب النمو وتأثيرها على مستويات الإيرادات الضريبية، مع العلم أن كل انخفاض أو تراجع على مستوى الدخول الضريبية أو نسب النمو، سينعكس لا محالة على التمويل الحكومي وميزانية الدولة.
غير أن سعي هذا المشروع إلى تفعيل التزامات البرنامج الحكومي، وكذا تنزيل التوجيهات الملكية السامية على أرض الواقع، من خلال التوفيق بين تحقيق الأهداف المرتبطة بالإقلاع الاقتصادي في ظل التقلبات التي تعرفها الساحة الدولية من جهة، وأيضا الحرص على تحقيق الصمود الاقتصادي من جهة أخرى، يجعل الأمر بالصعوبة بمكان، نظرا لتأثير مجموعة من الأزمات على النسيج الاقتصادي والاجتماعي في ظل سياق عالمي متقلب كما أسلفت، مطبوع بحالة عدم اليقين وعدم قدرة اقتصادات مجموعة من الدول على التعافي، مما قد تكون له انعكاسات ملموسة على انخفاض الطلب الموجه نحو المغرب من جهة، ثم استمرار ارتفاع أسعار النفط نظرا للاشتباكات المستمرة بين روسيا وأوكرانيا من جهة ثانية، إذ لا أحد يستطيع التنبؤ بانعكاسات التقلبات الجيوسياسية ووقعها على الأسواق المالية، مع ما يترتب عنه من سياسات نقدية أكثر احترازية تهدف بالأساس للحد من التضخم. هذا دون إغفال أيضا تأثير مجموعة من التحديات الوطنية، خاصة تداعيات زلزال الحوز وبعض المشاكل المتصلة بانعكاسات التغيرات المناخية وأثرها على ندرة المياه.
كلها، إذن، عوامل تضغط على الحكومة وتجعلها تراهن على تعزيز المداخيل الجبائية لتمويل السياسات العمومية وتفادي الاستدانة، وهو ما لمسناه من خلال التعديلات التي شملت إصلاح الضريبة على القيمة المضافة.

 

إذن، إلى أي حد يمكن القول إن مشروع قانون المالية 2024 وازن بين تفعيل الإجراءات الجديدة التي جاء بها، وضمان الموارد المالية الكفيلة بتزيليها؟
أظن أن الحكومة في سعيها لتحقيق نوع من الموازنة بين تحقيق الأهداف التي سطرتها في مشروع قانون المالية لسنة 2024 وتوفير الموارد الكفيلة لتنزيل ذلك قد شرعت فعلا في إجراء إصلاح عميق للضريبة على القيمة المضافة في عام 2024، وهو الإصلاح الذي سيتم على مدى الثلاث سنوات الممتدة ما بين 2024-2026. ومن بين الإجراءات الرئيسية الواردة في مشروع قانون المالية الجديد، تعميم الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة على بعض المنتجات الاستهلاكية.
كما نص المشروع، أيضا، على الملاءمة التدريجية لمعدلات الضريبة على القيمة المضافة لضمان تحييدها. ويتعلق الأمر، من جهة، بالماء وخدمات التطهير التي سيرتفع معدل الضريبة المتعلقة بها من 7 % الجاري بها العمل خلال هذه السنة إلى 8 % خلال سنة 2024 ليصل إلى 10 % في أفق سنة 2026، نفس المنحى ستشهده الطاقة الكهربائية بانتقالها من نسبة 14 % إلى 16 % خلال سنة 2024، لتنتقل إلى نسبة 20 % خلال سنة 2026. أما بخصوص الطاقة الكهربائية الناتجة عن الطاقات المتجددة فستشهد انخفاضا في نسبة الضريبة على القيمة المضافة، بانتقالها من 14 % إلى 12 % مع حلول سنة 2024، ثم 10 % سنة 2025 وذلك في إطار التزامات المملكة ذات الصلة باتخاذ مجموعة من القرارات ذات الصلة بمواجهة التغيرات المناخية، كما ستعرف نسبة الضريبة على القيمة المضافة المتعلقة بنقل الركاب والبضائع انتقالا من 14 % إلى 16 % سنة 2024، لتصل إلى 20 % سنة 2026، دون إغفال الأنواع الأخرى من الضرائب كمورد رئيسي لدعم ميزانية الدولة، كالضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والتي لم تشهد أي تغييرات ملحوظة. ومن أجل دعم الإستراتيجية الوطنية لتعميم الحماية الاجتماعية، قررت الحكومة الاستمرار في تعميم اقتطاع المساهمات الاجتماعية في نظام التأمين الإجباري عن المرض والتقاعد على جميع المهنيين والعمال المستقلين وغير المأجورين.
كما نص مشروع قانون المالية 2024 على إحداث نظام اختياري جديد للتصفية الذاتية للضريبة على القيمة المضافة، وذلك في إطار الجهود المبذولة لتشجيع القطاع غير المهيكل للاندماج في القطاع المهيكل، إضافة إلى إحداث آليتين جديدتين تسمحان باستخلاص هذه الضريبة من المنبع، بهدف تشجيع الشفافية الضريبية ومكافحة الفواتير الوهمية.
كما نص المشروع على إجراء جديد يتعلق بتوسيع تطبيق الضريبة على القيمة المضافة لتشمل التجارة الإلكترونية بدورها، ويتعلق الأمر بمراجعة شاملة لقواعد إقليمية الضريبة، بحيث يتم دفع الضريبة حسب مكان إقامة مستهلك الخدمات الرقمية، وفقا للمعايير الدولية في هذا الصدد. الأمر الذي سيتطلب من مقدمي الخدمات عن بعد تقديم هويتهم إلى مصلحة الضرائب، إضافة إلى التزامهم بالتصريح برقم المعاملات المحقق في المغرب.

 

ما هي الرهانات الاقتصادية التي يسعى قانون مالية 2024 إلى تحقيقها؟
من الواضح أن مشروع قانون المالية 2024 يسعى إلى تعزيز استدامة المالية العمومية، من خلال تبني جملة من الإصلاحات التي فرضتها التحديات التي تواجه مالية الدولة، وذلك بالنظر إلى المجهودات الكبيرة التي تكلفها مواجهة تأثيرات الظرفية الحالية من جهة، وإرساء أسس الدولة الاجتماعية من جهة أخرى، كل ذلك من خلال اعتماد مجموعة من الإصلاحات التي من شأنها تحقيق هوامش مالية لمواجهة هذه التحديات، ولتمويل مختلف الأوراش الإصلاحية والتنموية التي انخرطت فيها المملكة في سعيها لاتخاذ كافة التدابير اللازمة للحفاظ على توازنات المالية العمومية واستدامتها.
مع الإشارة إلى أن إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية يأتي على رأس هذه الإصلاحات الهادفة الى تحقيق توازن المالية العمومية واستدامتها، عبر اعتماد قاعدة ميزانياتية حديثة تهدف إلى التحكم في المديونية، وذلك أولا عبر البرمجة الميزانياتية متعددة السنوات، إضافة إلى توسيع نطاق القانون التنظيمي لقانون المالية ليشمل المؤسسات العمومية بدورها، خاصة تلك المستفيدة من موارد مرصدة أو من إعانات من الدولة.
كما سبق للرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة أن أشارت في هذا الصدد، إلى رغبة الحكومة الواضحة في التنزيل الفعلي للقانون الإطار المتعلق بالإصلاح الضريبي، عبر اعتماد تدابير ملموسة هادفة إلى تحقيق العدالة الضريبية، ووضع نظام ضريبي مستقر، مبسط وشفاف يوفر رؤية متفائلة سواء للمستثمرين أو الفاعلين في المشهد الاقتصادي الوطني، خاصة عبر إعطاء الأولوية خلال سنة 2024 لإصلاح الضريبة على القيمة المضافة وإدماج القطاع غير المهيكل.
كما أبدت الحكومة، من خلال المشروع، رغبتها في تطوير التمويلات المبتكرة، وكذا مواصلة مجهوداتها الرامية إلى عقلنة تدبير المحفظة العمومية، عبر تنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، بهدف تعزيز الحكامة التدبيرية للدولة ومعالجة الاختلالات الهيكلية للمؤسسات والمقاولات العمومية، في مسعى لتحقيق أكبر قدر ممكن من التكامل والانسجام في مهامها، وكذا الرفع من مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية، ومن مساهمتها في الميزانية العامة للدولة.
إضافة الى ذلك، تحرص الحكومة خلال سنة 2024 والسنوات اللاحقة، على التقليص التدريجي من عجز الميزانية، الأمر الذي قد يساعد على تقليص حجم مديونية المالية العمومية، وتعزيز التوازن المالي، واستعادة الهوامش المالية الضرورية لمواصلة مختلف الأوراش التنموية، وكل هذه الإجراءات في أفق تحقيق معدل نمو يقارب 3,7 في المائة سنة 2024، مقابل 3,4 في المائة التي كان عليها خلال سنة 2023، مع مواصلة تقليص عجز الميزانية إلى 4 في المائة سنة 2024 مقابل 4,5 في المائة المتوقعة نهاية السنة الجارية.




تابعونا على فيسبوك