عن عمر يناهز الستين سنة، رحل عبد الفتاح فاكهاني، مخلفا تجربة واسعة في العمل الصحافي على المستوى الوطني والدولي، بعد تجربة سابقة في النضال السياسي، خلال ما بات يعرف بسنوات الرصاص.
ت
وفي عبد الفتاح فاكهاني (أو فاكوس، كما كان يناديه بعض المقربين)، بعد مرض عضال لم يمهله طويلا، يوم أول أمس الثلاثاء، بالرباط، في المصحة نفسها حيث فارق الحياة، قبل عامين،إدريس بنزكري، أحد مجايلي فاكهاني، ورفيقه في "تجربة الحلم والغبار"، بتعبير عبد القادر الشاوي، أحد الوجوه الأخرى من "سنوات الرصاص"، التي عمل بنزكري على معالجة جراحها الصغيرة والكبيرة بقدر كبير من التوفق.
قبل ستين عاما، ولد عبد الفتاح فاكهاني في مدينة مراكش عام 1949، ليكون في مقدمة جيل الاستقلال، الذي سكنته جرثومة الأحلام الكبرى، وحمل جمرة التغيير، بقدر كبير من الرومانسية السياسية، والطهرانية الأخلاقية، والاستقامة الفكرية.
وقاده حلم التغيير إلى النضال السياسي، في أقصى اليسار، في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، فكان الاعتقال والسجن الطويل (1976- 1989). إلا أن الرحلة استمرت مع الفكر والثقافة، التي اهتم بها بعد تشبعه بالفكر العلمي. ومن التعليم، قبل الاعتقال، انتقل إلى الانخراط في مهنة المتاعب، بعد استعادة الحرية، وبعد "التحرر" من الانتماء السياسي الضيق، ففتحت له الصحافة أبواب التواصل مع جمهور أوسع، من أجل الإخبار، والتثقيف، والتوعية السياسية والثقافية الرصينة.
كانت البدايات الأولى للراحل في العمل الصحفي بجريدة العلم، التي اشتغل فيها حوالي خمس سنوات، في وضع لم يكن في مستوى ذلك الصحافي المتميز، ثم انتقل للعمل في وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي كانت محطته الأخيرة قبل أن يغادر الحياة.
وفي تلك الفترة الطويلة من العمل في مهنة المتاعب، أبدى الراحل مهنية وحنكة إعلامية في نقل الخبر والتعليق، وتميز، حسب العديد من زملائه ومجايليه، بمهنيته ودماثة خلقه، وهو المتحدر من عائلة محافظة ومتدينة، إذ كان والده إماما بمسجد درب دباشي بمراكش.
ولم تكن الكتابة الصحافية حدثا عابرا في مسار الفاكهاني، فقد بدأها، قبل الاعتقال، مقترنة بالنضال الثقافي والسياسي، إذ كانت الخطوات الأولى للكتابة والعمل الصحفي في مجلة "أنفاس"، الناطقة باللغة الفرنسية، التي شاطره العمل في قسم التحرير بها عدد من الكتاب والباحثين، خاصة أبراهام السرفاتي، والشاعر عبد اللطيف اللعبي، وكلاهما رافقاه في تجربة الاعتقال.
وكان عبد الفتاح فاكهاني تلقى بمسقط رأسه تعليمه الأولي، ثم التحق بثانوية محمد الخامس باب أغمات، بشعبة اللغة الفرنسية، ثم تخرج من المدرسة العليا للأساتذة، قسم اللغة الفرنسية، قبل أن يعين أستاذا لهذه اللغة بمدينة خريبكة.
بعد تلاشي الأحلام الجميلة، وبداية انعطافة النضج الفكري، أصدر الراحل روايته الأولى، من قلب السجن المركزي بالقنيطرة، بعنوان "البئر"، وهي من "منشورات الجامعة" بالدار البيضاء، عام 1984. وبعد الإفراج عنه، عام 1989، نشر رواية أخرى باللغة الفرنسية، بعنوان"الممر: حقائق عن سنوات الرصاص".
وفاكوس هو، أيضا، أبو أنس، فبعد استعادة الحرية، وفي غمرة العمل الصحفي، كان له متسع من الوقت كي يحب ويتزوج، وينجب طفلا.