حلت امس الاثنين الذكرى الرابعة لانطلاقة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي باتت واقعا ملموسا، حيويا وتنمويا، في حياة المغاربة.
فهي لم تنطلق من فراغ، وليست مجرد كلمات وشعارات تسكينية، بل هي أوراش تنموية مفتوحة، وملموسة على الأرض، تندرج ضمن رؤية شمولية، تشكل "قوام مشروعنا المجتمعي، المرتكز على مبادئ الديمقراطية السياسية، والفعالية الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، والعمل والاجتهاد، وتمكين كل مواطن من الاستثمار الأمثل لمؤهلاته وقدراته"، كما أكد جلالة الملك محمد السادس في خطاب الإعلان عن إطلاق المبادرة.
إنها حافز حقيقي للتنمية، بمفهومها العملي، وثمرة دينامية جديدة لمواكبة الجهود، التي تبذلها الدولة في هذا المسار، من جانب الجماعات المحلية وهيئات المجتمع المدني والسكان أنفسهم. وهي بذلك مقاربة جديدة للتعامل مع الإشكاليات المجتمعية، سيما إشكالية العجز الاجتماعي، متجليا في مظاهره الثلاثة: الفقر والتهميش والإقصاء.
ما يميز المبادرة، ويعطيها كل مقومات النجاح والاستمرارية، أنها تتوفر على رؤية واضحة، وبرامج مضبوطة، وهي موجهة إلى فئة مستهدفة، تطمح إلى الكرامة والاندماج في المجتمع بتلقائية. وهذا إلى جانب أن المشاريع تتوفر على الموارد المالية الضرورية. وكان هذا الجانب أثار مخاوف منذ البدء، لكن التخطيط للرؤية ولمتطلباتها، وبفضل حسن تدبير الميزانيات، مكن من تجاوز المشكلة.
تتجسد المبادرة في مرحلتها الأولى في أربعة برامج: برنامجان بتوجه خاص، هما برنامج محاربة الفقر في الوسط القروي، يستهدف 360 جماعة قروية من الجماعات الأكثر فقرا. وبرنامج محاربة الإقصاء الاجتماعي في الوسط الحضري يستهدف 250 حيا حضريا من الأحياء الأكثر فقرا.
يسعى البرنامج الوطني الأول إلى محاربة الأوضاع الهشة عبر إرساء خدمات خاصة لدعم ومواكبة عشرات الآلاف من الأشخاص يعيشون في ظروف صعبة، منهم الأطفال المتخلى عنهم، والمشردون، والمرضى، وغير المتوفرين على مأوى، إلخ، والثاني أفقي مفتوح على مجموع الجهات والأقاليم والعمالات والجماعات.
وفي ما يتعلق بالتمويل تستفيد برامج المبادرة من مبلغ قيمته 10 ملايير درهم خلال الفترة الممتدة من 2006 إلى 2010، بإمداد تدريجي بالموارد من 1.5 مليار درهم عام 2006، إلى 2.5 مليار درهم مع حلول عام 2010.
وتمول المبادرة من الميزانية العامة للدولة بنسبة 60 في المائة، ومن ميزانيات الجماعات المحلية بنسبة 20 في المائة، ومن التمويلات المتأتية من التعاون الدولي بنسبة 20 في المائة. كما تستفيد البرامج الترابية المستهدفة، وكذا البرامج الوطنية من تمويل متوازن بنسبة 2.5 مليار درهم لكل منهما، ولمدة 5 أعوام، بما يتيح، في الوقت ذاته، خلق دينامية معممة للتنمية البشرية على امتداد التراب الوطني، والتدخل بفعالية بالنسبة للمناطق الاقتصادية الأكثر حاجة.
والحصيلة، حسب آخر المعطيات المتوفرة، أن نحو 4 ملايين شخص استفادوا مباشرة من مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ما بين 2005 و2008، وحوالي 16 ألف مشروع مبرمجة حاليا، تأخذ القسط الأكبر منها قطاعات التعليم والزراعة ومراكز الاستقبال والتزويد بالماء الصالح للشرب، 45 في المائة من المشاريع أنجزت، 23 في المائة في طور الإنجاز بلغ متوسط نسبة تقدمها 51 في المائة نهاية 2008.
البعد العميق لهذه الخلاصة الرقمية المكثفة أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مكنت من الشروع في مسلسل سيفضي تدريجيا إلى إعادة هندسة حقيقية للسياسات الاجتماعية بالمغرب. وإذا أخذنا بالاعتبار الصعوبات، التي اعترضت المبادرة في بداية الطريق، وفي بعض محطات هذه المسيرة، تظهر جليا جسامة المهمة، وأهمية العمل، الذي يجب القيام به في ميدان العمل الاجتماعي في بلادنا. بالفعل، فالعديد من بؤر اليقظة تظهر منذ الآن ويجب أخذها بعين الاعتبار عند استشراف آفاق هذه المبادرة: إشكالية صيانة البنيات التحتية، وفرة وجودة تأطير المستفيدين، استدامة انخراط الشركاء في استقرار بعض الأنشطة المدرة للدخل، من التمويل، والمردودية، إلى التلاؤم مع المحيط، وأخيرا مدى ملاءمة مقاربة الاستهداف الجغرافي التي جرى اعتمادها.
المحصلة من كل ذلك، أن المبادرة فلسفة عميقة الأبعاد والتجليات، وهي رؤية شمولية لا تهدف فقط مواجهة العجز والتخلف الفكري والمادي والبنيوي، وإنما تطمح في الواقع إلى إرساء ثقافة مجتمعية جديدة في المجتمع المغربي، الذي أظهر في العديد من المناسبات، قدرته على الانخراط والتفاعل والتضامن.
وقوام هذه الثقافة يرتكز على تعبئة كل القوى والحساسيات والفعاليات، لإرساء المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي، حيث الكرامة لكل الفئات والأجيال والجماعات والجهات.