"جنسيتي ملكي، ومن أغلى من أولادي ليحملها؟"، "في وطني، أولادي ليسوا لي"، "لأنهم أولادي، جنسيتي حق لهم"، "دماؤنا في عروق أبنائنا، فلماذا جنسيتنا مختلفة؟"...
هذه بعض من الشعارات، التي خطتها لبنانيات على لافتات رفعنها في لقاءات مازالت مفتوحة، إلى حين الإفراج عن مشروع قانون يقضي بتجنيس أبنائهن.
فمنذ سبع سنوات، أطلقت هؤلاء النسوة، اللواتي قادهن القدر إلى زواج مختلط، وعددهن يقارب 18 ألفا، صرخة مدوية لإنصافهن، وخضن معركة ما فتئت تتوسع جبهاتها وتتطور، في محاولة للحصول على حق أبنائهن في الجنسية، معبئات كل الوسائل المتوفرة للتحسيس بمعاناتهن، مع مشروع قانون يواجه صعوبات جمة، للوصول إلى طاولة مجلس الوزراء، ومن ثمة إلى مجلس النواب.
وتزايد الاهتمام بهذه القضية، التي انخرطت في النضال من أجلها العديد من المنظمات وجمعيات المجتمع المدني، تحت اسم "حملة جنسيتي حق لي ولأسرتي"، وأصبحت تشكل مادة إعلامية دسمة، زاد بريقها أكثر مع الحملة الانتخابية الحالية، إذ كثر الحديث عن استثناءات قد تلحق مشروع قانون الجنسية، قبل إجراء الانتخابات النيابية المقبلة.
وتقتفي اللبنانيات، في خوض هذه المعركة، خطوات وتجارب عربية مضيئة، في هذا السياق، كتجربة المغرب ومصر، بتأطير من مجموعات ضغط كثفت تحركاتها أخيرا، وعبرت عن رفضها لأن يظل نصف كوب المساواة بين الجنسين فارغا، بفعل استمرار الوضعية القانونية الشاذة لأبناء من زيجات مختلطة، وحرمانهم من الجنسية، لتبقى صلاحيتها حكرا على الرجال المتزوجين من أجنبيات، بفعل القانون، الذي جاء فيه "يعد لبنانيا كل شخص مولود من أب لبناني".
ومع هذا "القانون المجحف"، اضطرت بعض النساء، المعنيات به، إلى تسجيل أبنائهن كلقطاء، كي يحصلوا على الجنسية، لكن "أحلى الخيارين مر"، لأن المجتمع لا تقل قساوته عن القانون، فالخطوة فيها مجازفة، وتبعات اجتماعية صادمة.
وإذا كانت مسألة رفض انتقال جنسية الأم للأبناء تكاد تكون القاعدة السائدة بين البلدان العربية، وشكلت فيها دول الاستثناء مع بعض الفوارق، ففي لبنان يحمل قانون الجنسية، منذ صدوره سنة 1925 ، "خللا فاضحا"، حسب تعبير قائدات الحملة، ويختلف قليلا عن هذه البلدان في مبررات الرفض وخلفيته الدستورية.
ويكمن هذا الاختلاف في القوانين الأخرى، التي تزيد من همَ الأجنبي، المتزوج من لبنانية، ومن همَ الأبناء، لأن الحصول على الإقامة يتطلب دفع 1500 دولار سنويا، وأكثر من هذا المبلغ إذا أراد الشخص الحصول على رخصة العمل، كما يمكن للأولاد الحصول على "إقامة مجاملة" بشكل مجاني، لمدة ثلاث سنوات، لكن يمنعون، بحكم القانون، من العمل، وهذا نوع من الإقامة المشروطة، ويمنح للدبلوماسيين الأجانب، المتزوجين من لبنانيات ولأولادهم، بعد اختيارهم الاستقرار في لبنان، إثر التقاعد.
في هذا السياق، أوضحت المنسقة الإقليمية لـ"حملة جنسيتي"، لينا أبو حبيب، في تصريح لمكتب وكالة المغرب العربي للأنباء ببيروت، أن المطلب الأساسي للحملة هو "تحقيق المساواة الكاملة بين اللبنانيين في مسألة الجنسية"، مع الرفض الكلي لأي استثناءات، مبرزة أن "الدستور يلتزم باحترام معاهدة حقوق الإنسان، إلا أن قانون الجنسية عنصري، ويضرب عرض الحائط بكل الحقوق الأساسية".
وأشارت أبو حبيب إلى أن معاناة أبناء اللبنانيات من زواج مختلط "حقيقية ويومية"، لأنهم لا يتمتعون بحق التعليم والعمل، ولا يستفيدون من الخدمات الصحية المتوفرة لأقرانهم اللبنانيين، معتبرة أن هذه الأمور لها تداعيات، إنسانية ونفسية واقتصادية، على الأسر المعنية.
وقالت إن أبناء زواج مختلط قد يتفوقون في الدراسة "لكن من دون أفق يذكر، لأنهم، بعد التخرج، لن يستطيعوا الحصول على عمل، وحتى إن اشتغلوا، فسيعملون في قطاعات ليس لها علاقة بتخصصات درسوها في معاهد وجامعات، مثلهم مثل الأجانب، ما يعزز استغلالهم من طرف بعض أرباب العمل، ومعاملتهم بسوء وبميز عنصري فاضح، وقد يتعرضون للطرد في أي لحظة".
وأضافت أن مجموعة من الأعمال الحرة لا يسمح القانون لهؤلاء بممارستها، كطب الأسنان، والصيدلة، والمحاماة، والهندسة، والتمريض، معتبرة أن "هذا القانون من أبشع القوانين الموجودة، لأنه عنصري ومسؤول مباشرة عن تحطيم حياة عائلات برمتها".
وتجد الأمهات أن هذه الشروط، التي يفرضها القانون، "تعجيزية"، ولا تستقيم للكثير من الأسر، ويعتبرنها "ظلما في حق الأبناء الذين يدرسون، لكن ليس لديهم الحق حتى بالحلم بالمستقبل"، حتى أن بعضهم لا يتمكن من ولوج المدارس بسبب عدم توفره على وثائق ثبوتية، وهي وضعية فرضتها ظروف الحرب على البعض، ومنعتهم من الحصول على وضعية قانونية.
وهناك رأيان يتجاذبان الموضوع سياسيا، الأول، حسب وزير الداخلية والبلديات اللبناني، زياد بارود، يؤكد أنه يجب ألا تكون هناك استثناءات، ما دامت الدولة تعترف بمبدأ المساواة، ومنصوص عليها دستوريا، والثاني، يطرح مسألة وجود نص دستوري "يمنع توطين الفلسطينيين في لبنان"، ما يعني أن جنسية الوالد يجب أن تكون من "دولة معترف بها"، ولا يتعارض الأمر مع منع التوطين.
إلا أن "حملة جنسيتي" تشدد في طلبها على تعديل القانون دون استثناءات، لضمان المساواة أمام القانون، الذي يمكن أن يمنح زوج اللبنانية الأوروبي جنسية زوجته، بينما الزوج، من بعض الدول العربية، لا يستطيع الحصول عليها، وهو ما يدعمه بقوة الوزير بارود.
وتبقى حجة عدد من السياسيين المعارضين أن حصول أبناء اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين على الجنسية اللبنانية، هي منع توطين الفلسطينيين، أما المخرج، الذي تراه "حملة جنسيتي"، فهو إقرار مبدأ المعاملة بالمثل في القانون، وضمان حق النساء في المواطنة الكاملة، من دون تمييز لجهة الجنسية.
وتفيد كل المؤشرات الاجتماعية أن اللبنانيات المتزوجات من مواطنين عرب، هن الأكثر تأثرا اقتصاديا واجتماعيا بعدم المساواة، ويتحملن تبعات القانون، أما المتزوجات من غربيين، فلديهن اختيارات أفضل، كالإقامة في بلد الزوج من دون مشاكل تذكر(و م ع).