المفوض الأوروبي يخص المغربيةبرسالته حول زيارته إلى غزة

إسرائيل ليست فوق القانون الدولي الإنساني

السبت 31 يناير 2009 - 21:50

إن ما حدث أخيرا خلال الأسابيع الماضية في غزة، أمر لا يغتفر على الصعيد الإنساني. وهو، أيضا، يشكل خطرا جسيما على آفاق السلام والاستقرار في المنطقة.

إنني على قناعة تامة أن السبيل الوحيد للخروج، بشكل مستدام، من دائرة العنف والعداوة الباغية تلك، هو من خلال احترام حقوق الإنسان الأساسية.

وهذه هي الرسالة، التي حملتها معي خلال زيارتي الأخيرة إلى غزة وإلى إسرائيل.لقد هزتني زيارتي الأخيرة إلى غزة، لما شاهدته بأم عيني من عظم وتفاقم المعاناة واليأس لدى السكان المدنيين.

إذ يعاني السكان جميعهم صدمة نفسية حادة، تتنازعها غريزة البقاء، وغضب عميق وشديد تجاه ما يعتبرونه عقوبة جماعية، تفرضها إسرائيل عليهم، بينما يرون أن العالم أجمع تخلى عنهم ليواجهوا مصيرهم وحدهم.

كافة الشهادات، التي جمعتها من المنطقة، والتي رأيتها مرأى العين، تعزز الأمر، الذي كنت أول الشاجبين له، والذي تعرضت لانتقادات من أجله: لقد وقعت انتهاكات فادحة للقانون الدولي الإنساني خلال أسابيع الصراع الثلاثة.

رأيت في شمال مدينة غزة (في عزبة عبد ربه، في جباليا)، مناطق سكنية كاملة، دمرت وسويت بالأرض بفعل القنابل والدبابات الإسرائيلية. وكذلك المباني في المناطق التجارية والصناعية خضعت لتدمير منهجي، بما فيها مصنع لصنع المثلجات والبسكويت.

كما زرت مستشفى القدس، الذي تعرض لقصف مباشر، ولم يعد في حال يسمح له بالعمل بشكل سليم. كما تعرض 34 مركزا صحيا، من بين 56 مركزا، للتدمير أو الضرر.

وجرى تدمير 16 سيارة إسعاف. وزرت، كذلك، مخازن وكالة الغوث (الأنروا)، التي احترقت بالكامل بعد ثلاث ضربات إسرائيلية، رغم أنه كان جرى إخطار الجيش الإسرائيلي بمعلومات كاملة حول طبيعة تلك المباني، وموقع إحداثياتها.

ويصعب، عند مشاهدة هذا الكم الكبير من الدمار، أن نؤمن بأنه في كل مرة كان الأمر يتعلق بتهديد الأمن، وأن الأهداف كانت، بالتالي، أهدافا عسكرية شرعية.

يفرض القانون الدولي الإنساني على المحاربين أن يميزوا المقاتلين عن غير المقاتلين، وأن يوفروا الحماية للسكان المدنيين. ولكن، في هذا الصراع، دفعت النساء والأطفال ثمنا باهظا، إذ شكلوا نصف القتلى، البالغ عددهم 1300 نسمة، والجرحى، الذين وصل عددهم إلى 5500 جريح.

وإنها لمسؤوليتي أن أدين لجوء إسرائيل لاستخدام القوة بشكل غير متناسب، ودون أهداف محددة، رغم أنها، أي إسرائيل، وبصفتها قوة محتلة، عليها التزامات محددة بموجب القانون الدولي الإنساني، حسب ما نصت عليه اتفاقيات جنيف، التي لم يقع احترامها.

وشجبت، وأشجب أيضا، أساليب الحرب غير المقبولة، التي تتبعها حماس بإطلاقها الصواريخ على السكان المدنيين الإسرائيليين، القاطنين قرب قطاع غزة، في مدينة سديروت، التي زرتها أيضا. كما أشجب لجوءهم إلى المباني العامة، بما يعرض حياة المدنيين للخطر.

كما لا يمكن التغاضي عن الدعوات، خاصة تلك الصادرة عن الأمين العام لمجلس الأمن في الأمم المتحدة، السيد بان كي مون، بخصوص تقصي الحقائق، وبيان المسؤولية عما حدث. وإن لم يحدث هذا، فإن القانون سيفقد مصداقيته ومكانته، كقانون مخصص لحماية السكان المدنيين أينما وجدوا.

ويفرض القانون الدولي الإنساني، أيضا، على القوة المحتلة أن تسمح بمرور وسير المساعدات الإنسانية، لتلبية احتياجات المدنيين.

وإننا نرحب، بالتأكيد، بالإجراءات التي اتخذتها إسرائيل في هذا الصدد، لكن من الواضح أنها غير كافية. وخلال لقاءاتي في المنطقة مع السلطات الإسرائيلية، طالبت إسرائيل بالتزامات ملموسة لتسهيل الأعمال الإنسانية. وينبغي مضاعفة عدد شاحنات المساعدة المتوجهة إلى غزة بثلاثة أضعاف العدد الحالي، ويجب فتح كافة المعابر، وينبغي التخفيف من إجراءات التصاريح الممنوحة للعاملين وللمساعدات الإنسانية، وبالذات تلك الإجراءات الإدارية. وبشكل خاص، لابد من توسيع تعريف ما يشكل المساعدة الإنسانية، فمن غير المعقول ألا تسمح إسرائيل سوى بعبور المساعدات الغذائية والأدوية، فلا يوجد أي نص قانوني يسمح لها بعمل قائمة صارمة وتمييزية لهذا الحد. فهناك حاجة ملحة لتوصيل المعدات الفنية اللازمة لتصليح وإعادة تشغيل المستشفيات، والمراكز الصحية، ونظام الصرف الصحي، وأنظمة المياه والكهرباء.

كما أنه من الضروري السماح بتيسير الحوالات المالية تجاه السكان المدنيين، حتى يستعيدوا الحد الأدنى من نشاطهم الاقتصادي.

هناك أمر مؤكد: لا يمكننا أن نتخيل العودة إلى ما كان عليه الحال قبل 26 ديسمبر، عندما شنت إسرائيل عملياتها. فقد أدت 18 شهرا من الإغلاق لمنطقة غزة إلى إذلال السكان، على الصعيدين الاقتصادي والمعنوي.

هل ينبغي علينا التذكير بأن القانون الدولي الإنساني هو الاسم الآخر لقانون الحرب؟ وهو يحدد السلوك الواجب اتباعه في أوقات الصراع. فلا يجوز أن يشكل أمن دولة ما ذريعة لأن تضع نفسها فوق القانون الدولي. فهذا القانون ملزم للجميع، ولا يمكن لأي كائن كان أن يتنصل من تنفيذه، وهو قانون يخدم مصلحة كافة الأطراف، خاصة المدنيين.

لأنه إذا كان الفقر يؤدي إلى اليأس، فإن الظلم والذل يغذيان العنف.

(مفوض التنمية والمساعدات الإنسانية في اللجنة الأوروبية)




تابعونا على فيسبوك