شخص المشاركون في لقاء نظمته اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، بتعاون مع المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ولمبادئ أعراف القانون الدولي الإنساني، المرتكبة في مخيمات تندوف، جنوب غرب الجزائر.
ومن بين الانتهاكات، التي كشف عنها المشاركون في اللقاء، الذي نظم أول أمس الاثنين بالرباط، حول "وضعية سكان مخيمات تندوف على ضوء القانون الدولي الإنساني"، الاحتجاز القسري، والتنكيل، والحرمان من عدد من الحريات، فضلا عن هضم حقوق الإنسان في جميع صوره وتجلياته.
ويمر تشخيص وضعية سكان مخيمات تندوف، كما سجل ذلك المنظمون، عبر تقديم شهادات حية لأشخاص قاسوا مرارة انتهاكات حقوقهم، وعانوا أزيد من 33 سنة، هذه الوضعية، التي لولا تمكنهم من الخلاص منها، لما استطاع الرأي الدولي التعرف على هذه المعاناة.
وقالت شامة الموساوي لـ"المغربية"، عن معاناة دامت 33 سنة في مخيمات تندوف، إن "تشخيص الوضع في بعض دقائق أمر مستحيل، وربما حتى المجلدات لا يمكنها استيعاب هذه المعاناة، التي خرجت منها وعدت إلى أرض الوطن، لأمارس جميع حقوقي، وأتنقل بكل حرية، وأعبر عن رأيي، وأشارك في الملتقيات بكل حرية، عكس ما عشته ومازال العديدون يعيشونه، في مخيمات تندوف، في واقع مزر، مفروض على الجميع".
وتضيف الموساوي "في مخيمات تندوف، يعيش الناس في ظروف تنعدم فيها أبسط حقوق الإنسان، في ظل انعدام حرية الرأي والتعبير والتنقل. وقالت "عشت في مخيمات تندوف أزيد من 33 سنة، وأنا أم لأسرة متعددة الأفراد، كما اشتغلت في المخيمات بالعديد من الوظائف، منها مؤسسات تعنى بالتعليم والشبيبة والرياضة، وحالفني الحظ بمشاركتي في مؤتمر كجيجمات، الذي يعد الأول من نوعه في تاريخ جبهة البوليساريو"، في إشارة إلى انفصال جماعي لعشرات الصحراويين عن جبهة الانفصال.
وتقول الموساوي "خلال المؤتمر، الذي انعقد في أرض تقول عنها البوليساريو إنها منطقة محررة، جرى التنديد بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان داخل المخيمات، والمعاناة اليومية لمغاربة محتجزين لدى البوليساريو، علاوة على المطالبة بتوقف الجزائر عن التحكم في مصيرهم"، موضحة أن المؤتمر كان، أيضا، وسيلة ساعدتهم على تخطي الصعاب من أجل الدخول إلى أرض الوطن، "إذ استغللنا، نحن 100 شخص، فرصة المؤتمر للهروب من المخيمات، وكان بيننا نساء وأطفال وشباب ورجال، وكذا مسؤولون بالمخيمات في فبراير 2008".
في مخيمات تندوف، تحكي شامة، "ينهج قادة البوليساريو سياسة الإسكات والاضطهاد، ولا تستثنى منها حتى النساء، وتقوم هذه السياسة على تشتيت أفراد الأسرة الواحدة، إذ تبعد الأبناء منذ صغرهم إلى دول أجنبية، ككوبا، وليبيا، والجزائر وإسبانيا، لتزيد من معاناة الأم، التي يظل قلبها محروقا على أبنائها، الذين لا تعرف، في غالب الأحيان، وجهتهم، لكي يظل الآباء قابعين في المخيمات في انتظار عودة فلذات أكبادهم". وأبرزت العائدة إلى أرض الوطن، أنه لولا عائق الأبناء المهجرين وصعوبة الجهر برغبة العودة إلى أرض الوطن، لالتحق كل الموجودين بمخيمات تندوف بالمغرب، وحققوا الحلم، الذي يراود الجميع، في العيش وسط العائلة، والتمتع بكل الحقوق في المغرب.
وعالج اللقاء، الذي عرف حضور العديد من الهيئات الحقوقية، مدى احترام الحقوق الأساسية للسكان المدنيين المحتجزين في تندوف، ومستوى تمتعهم بالحقوق الأساسية، التي تكفلها القيم الإنسانية الكونية المشتركة، وقواعد القانون الدولي الإنساني، كالحق في الحياة، والحق في السلامة الجسدية، والحق في التنقل.
كما رصد المشاركون في اللقاء، الذي يعد أول نشاط تنظمه اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني منذ تنصيبها في أكتوبر الماضي، حجم معاناة العائلات المحتجزة في مخيمات تندوف، بفعل التشتت، وتقطيع الروابط الأسرية داخل العائلة الواحدة، والوضع المأساوي للنساء، بسبب مصادرة حقهن في حياة كريمة ومستقرة، وما يعانيه الأطفال جراء حرمانهم من حقهم في التنشئة، والصحة، والتعليم، والحماية من كل الأخطار.
كما تطرق المشاركون في اللقاء، الذي حضره أحمد حرزني، رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وفريدة الخمليشي، رئيسة اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، إلى مسؤولية دولة الاستقبال، الجزائر، عن تردي الأوضاع الإنسانية لسكان مخيمات تندوف، داعين هذه الدولة إلى السماح للهيئات الدولية والحقوقية بالوصول الحر إلى هؤلاء السكان وإحصائهم، وتحملها المسؤولية الكاملة عن تفاقم الأوضاع الإنسانية بمخيمات تندوف، وعن الممارسات المنافية لقيم ومبادئ القانون الدولي الإنساني، وحقوق الإنسان، التي ترتكب على جزء من إقليم دولة طرف في اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949، وباقي الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
وطالب المشاركون بالتدخل الفوري والعاجل للمجتمع والمنظمات الحقوقية، لوضع حد لمعاناة المحتجزين بتندوف، داعين إلى ضرورة تغيير الظروف غير الإنسانية التي يعيشونها، ووضع حد لوضعية الاحتجاز المفروضة عليهم في هذه المخيمات، كما تقتضي ذلك أحكام القانون الدولي الإنساني، وتمكينهم من حقهم في حرية التنقل، والالتحاق بوطنهم الأم.