تراهن إيران على مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية ترى فيها حاجزا دون إقدام الولايات المتحدة على شن هجوم عسكري عليها، في خضم الأزمة المرتبطة بالملف النووي لطهران.
تراوحت المواقف الإيرانية بين المرونة والتشدد، دون أن تصل إلى نقطة اللارجوع، رغم التصريحات النارية والمواقف المتشددة للرئيس الإيراني أحمدي نجاد، التي وصفها البعض بأنها تمثل سياسة حافة الهاوية. وعلى غرار طهران، حرص الطرف الرئيسي الثاني في لعبة شد الحبل، الولايات المتحدة، على عدم الوصول إلى نقطة اللاعودة، رغم أنها لوحت كثيرا باستخدام الخيار العسكري. فلا إيران انسحبت من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو ما هددت به كثيرا، ولا الولايات المتحدة شنت ضدها عملا عسكريا، لحد الآن على الأقل.
ويتفق محللون على أن استراتيجية إيران التفاوضية هي استثمار المفاوضات الدولية لكسب الوقت وتحصيل أكبر قدر من المكاسب التقنية، على خلفية التناقض في مصالح الأقطاب الدولية
في هذا السياق يعتقد محللون وساسة إيرانيون أن بلادهم تشعر بأنها بذلت ما فيه الكفاية لتلافي هجوم أميركي وشيك، وأنها على ثقة من أن إيراداتها الكبيرة من صادرات النفط ستساعدها على تحمل آثار جولة ثالثة من العقوبات المعتدلة.
وتعهد زعماء إيران بالمضي قدما في البرنماج النووي، بصرف النظر عن عقوبات جديدة من جانب الأمم المتحدة، بعد أن اتفقت القوى الدولية الست، هذا الأسبوع، على إطار عام لقرار جديد بفرض عقوبات.
لكن الخطوات كانت أضعف بكثير مما كان المسؤولون الأميركيون يسعون لتحقيقه، بعد أن أصبحت تحفظات روسيا والصين أكثر وضوحا في أعقاب تقرير للمخابرات الأميركية أفاد أن طهران أوقفت برنامجها للتسلح النووي عام 2003 .
وونقلت وكالة رويترز عن محللين وساسة إيرانيين أقوالهم أن الجمهورية الإسلامية، التي واجهت عقوبات أميركية على مدى سنوات، تعلمت العيش في ظل العقوبات، ولديها الآن إيرادات استثنائية من بيع النفط، تساعدها على تحمل أي خسائر إضافية تسببها الإجراءات الجديدة.
"الطرفان يسعيان لكسب الوقت"
يرى المحلل سعيد ليلاظ أن "احتمال شن هجوم لم يعد مطروحا في الوقت الراهن. الطرفان يسعيان لكسب الوقت". وأن "إيران تحتاج لوقت لحل المشكلة الفنية المتعلقة بأجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم، بينما تحتاج الولايات المتحدة لمزيد من الوقت لحل المشكلة العراقية ومشكلة النفط، وتشغلها الانتخابات".
ووافق اجتماع ضم الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا والصين، (الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي)، وألمانيا، في برلين، هذا الأسبوع، على مجموعة ثالثة من العقوبات ضد إيران، لعدم وقفها أعمالها النووية، التي تقول إنها تسعى لإتقانها لإنتاج وقود لمحطات توليد كهرباء، بينما يقول الغرب إنها تهدف إلى إنتاج سلاح نووي.
وقادت واشنطن مساع لفرض عقوبات جديدة، وكانت تطالب بقرار جديد لفرض حظر على إقامة أعمال مع البنوك الإيرانية الحكومية الرئيسية. لكن دبلوماسيين يرون أنها تراجعت في مواجهة معارضة روسية وصينية. وقال دبلوماسيون غربيون إن القوى الكبرى اتفقت على أن تحدد العقوبات الجديدة بنكين إيرانيين كبيرين آخرين، بنك مللي وبنك صادرات، لكنها لن تضع قيودا إلزامية على إقامة أعمال معهما.
وأكدت إيران مرارا أن العقوبات لن تمنعها من المضي قدما في برنامجها النووي، لكن الاقتصاديين يعتقدون أن العقوبات تدفع الأسعار للارتفاع وتردع المستثمرين الأجانب. وقال محللون وساسة إيرانيون إن العقوبات الجديدة، خاصة الإجراءات الضعيفة الأخيرة، لن تساعد في حل النزاع.
قال علي أغا محمدي، أحد ممثلي الزعيم الروحي آية الله علي خامنئي، في هيئة تحكيم مهمة هذا الأسبوع، حول ما إذا كانت العقوبات ستغير مسار إيران إن ذلك "يحتاج ذلك لمائتي عام على الأقل، وفي ذلك الوقت لن تكون هناك الولايات المتحدة، التي نعرفها الآن، تماما كما لم تعد هناك أمبراطورية بريطانية الآن".
يمكن للرئيس محمود أحمدي نجاد أن يلقي اللوم على العقوبات في اضطرابات اقتصادية مثل ارتفاع التضخم. من جهته، يرى ليلاظ أنها "سياسة بلا جدوى، فالعقوبات سلاح طويل الأمد، وطبيعة النزاع بين إيران والغرب ليست طويلة الأجل. يمكنهم إخفاء سوء إدارتهم وراء هذه العقوبات".
بالمقابل، يرى محللون أنه، رغم أسلوب الخطابة الإيراني العنيف، يبدو أن طهران أخذت التهديد بشن هجوم أميركي، مأخذ الجد، ويبدو أنها تقدم تنازلات في العراق وأماكن أخرى، حتى وان كان المسؤولون ينكرون تقديم أي تنازلات لواشنطن.
وقال محلل إيراني، طلب عدم نشر اسمه، إن المخاوف من شن هجوم "هدأت لكنهم، لا يعتقدون أنهم نجوا بالفعل. يرون أن عليهم تقديم تنازلات في العراق للحد من فرص شن هجوم".
وتباهى المسؤولون الإيرانيون بمساعداتهم في تخفيف حدة العنف في العراق. لكن المحلل قال إن طهران استخدمت نفوذها على الميليشيات الشيعية لتجنب رد عسكري عنيف من جانب واشنطن. وأضاف "قد يتحملون عقوبات الأمم المتحدة، لكن المواجهة العسكرية ستدمر الاقتصاد الإيراني فعليا".
وقال المحللون والساسة إن إيران تعتقد أن موقفها المتشدد، الذي قاده أحمدي نجاد في خطبه، التي تعهد فيها بعدم تقديم أي تنازلات للولايات المتحدة في الخلاف النووي، حققت نتائج، إذ دفعت واشنطن إلى إجراء محادثات بشأن الأمن العراقي.
وعقد مسؤولون إيرانيون وأميركيون عدة جولات من المحادثات العام الماضي، كانت أرفع اجتماعات مباشرة بين الطرفين منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، غداة قيم الثورة الإيرانية ضد حكم الشاه، حليف الغرب، عام 1980 .
وقال ساسة المعارضة، الذين يسعون للعودة للحكم في الانتخابات البرلمانية المقررة في مارس، إن موقف الغرب المتشدد قد يخدم المتشددين في إيران. وقال حسين مراشي، المتحدث باسم حزب سياسي معارض للرئيس "الواقع أن السياسة العنيفة من جانب أحمدي نجاد بلغت نهايتها وحققت نتيجة". وقال أغا محمدي إن موقف أحمدي نجاد المعارض لتقديم أي تنازلات في النزاع النووي "حافظ على كرامة إيران في مواجهة الضغوط الدولية، خاصة من جانب الولايات المتحدة".