تنطلق اليوم السبت فعاليات الطبعة الأولى لمهرجان سيدي إفني، على مدى سبعة أيام، والمنظم بموازاة مع الذكرى الثامنة والثلاثين للاحتفاء باسترجاع مدينة سيدي إفني إلى الوطن الأم، تحت شعار "ذاكرة وتطلع"، والذي يتوقع بحسب إفادة منظميه، الذين ينتمون إلى فعاليات جمع
واعتبر إدريس مبارك، مدير الدورة الأولى للمهرجان نفسه، أن »هذا الأخير ليس للاحتفال البسيط والترف، وإنما تعبير عن انشغال وقلق المشرفين على راهن ومستقبل المدينة«، وأضاف مبارك، في تصريح لـ"المغربية"، أن "ذلك يمثل شكلا من أشكال التنمية، التي نجحت مهرجانات مماثلة في كل من الصويرة وأصيلا وغيرهما في تحقيقها"
ومضى إدريس مبارك يقول »نريد الانتقال من ممارسة الهواية إلى خلق تقاليد احترافية للمهرجان بسيدي إفني على أساس أن يصبح تقليدا سنويا للنقاش حول قضايا التنمية المحلية بالمنطقة".
وسيقارب برنامج الدورة عددا من القضايا الثقافية والحقوقية ورهانات التنمية المحلية، فضلا عن معارض للذاكرة التاريخية للمدينة لعارضين مغاربة وأجانب، وبرامج رياضية وسهرات فنية ومسابقات وأنشطة اقتصادية وتجارية بموازاة مع التقليد السنوي لموسم سيدي إفني، الذي ينظم منذ سنوات بتزامن مع الذكرى الوطنية المجيدة، التي تؤرخ لملاحم أبناء قبائل آيت باعمران، وتضحياتهم ونضالاتهم الباسلة دفاعا عن مقومات ومقدسات الوطن, في مواجهة الوجود الاستعماري، والتصدي لمخططاته الرامية إلى طمس شخصيتهم المغربية وهويتهم الوطنية .
يذكر أنه جرى إجلاء قوات الاحتلال عن هذه الأرض المكافحة، التي أبلت البلاء الحسن في ملحمة الاستقلال وملحمة تحقيق الوحدة الترابية يوم 30 يونيو 1969 .
فعلى إثر فرض معاهدة الحماية سنة 1912، اندلعت الانتفاضات الشعبية بالأطلس والريف وبكل جهات المملكة، لتؤكد مطلبها الراسخ في الحرية والاستقلال، وهكذا قدمت منطقة آيت باعمران، كسائر مناطق المغرب، أمثلة رائعة في النضال والصمود، والتشبع بروح الجهاد والمقاومة.
فمنذ بداية الأطماع الأجنبية وبدايات الغزو الاستعماري، كان الباعمرانيون بالمرصاد لكل محاولات التوغل والتوسع، وواجهوا مخططات المحتل، وخاضوا معارك ضارية توجوها بأروع صور الجهاد، وأصدق آيات البطولة، وأجل قيم الفداء، صيانة لوحدة الوطن ودفاعا عن حوزته
واستطاع أبناء قبائل آيت باعمران أن يحققوا النصر ويصنعوا المعجزات رغم محدودية إمكانياتهم، ولقنوا المستعمر دروسا في التضحية والصبر ونكران الذات.
وكان لتحديات المستعمر وتطاولاته على مشاعر الباعمرانيين بمحاولة ضمهم إلى الشعب الإسباني، وإعلان (إسبانية المنطقة)، أبلغ الأثر في إشعال جذوة المقاومة، وصيانة الكرامة، وتحقيق النصر، رغم تواضع عددهم وعدتهم العسكرية، قياسا بما لدى الغاصب المحتل.
واستمر نضال المجاهدين، إذ جرى استرجاع منطقة طرفاية سنة 1958، ولم تتوقف أشكال النضال في سبيل الوحدة، وبلغت معارك جيش التحرير شأوا كبيرا، وحققت انتصارات باهرة أبان فيها المجاهدون عن أرقى صور البطولة والشهامة والوطنية، ولم يجد معها الاستعمار الإسباني بدا من التحالف مع نظيره الفرنسي لمواجهتها، ومع ذلك ظل المغرب متمسكا بمطالبه في تحرير أراضيه، وظل أبناء الصحراء يقاومون الاحتلال الإسباني، واستطاع المغرب من جديد أن يحقق خطوة جبارة على درب استكمال التحرير باسترجاع مدينة سيدي إفني من قبضة الإسبان في 30 يونيو 1969 .
وكانت منطقة سيدي إفني، بحكم موقعها الاستراتيجي، محط أطماع استعمارية، وهدفا سعت قوات الاحتلال إلى تحقيقه، باعتبارها بوابة بحرية مؤهلة للإنزال العسكري والعمليات الحربية ولطبيعة سيدي افني وأرضيتها الصالحة لهبوط الطائرات وتضاريسها، التي تجعل منها حصنا يطل على امتدادات شاسعة من عمق تراب آيت باعمران، والأقاليم الجنوبية عموما، لذلك حطت جيوش الاحتلال بكل ثقلها في المنطقة منذ سنة 1934، وعززت وجودها بكثافة، متوخية بذلك أن تؤدي وظيفة عسكرية، كما عملت على إضفاء وظيفة سياسية وإدارية عليها عندما أعلنتها »عاصمة لحكومة إفريقيا الشمالية الإسبانية«، وجعلتها مقرا للحاكم العام الإسباني، بيد أن انتفاضة قبائل آيت باعمران سنة 1957، قلبت كل حسابات المحتل، وأفشلت مخططاته الاستعمارية.
ويسجل التاريخ أن جهاد أبناء قبائل آيت باعمران بقيادة العرش العلوي كان جهاد الأبطال الأشاوس، مجسدين تمسكهم بمغربيتهم وارتباطهم بوطنهم ودفاعهم عن مقدساته، حاضرين في كل المحطات التاريخية الكبرى لنضالات العرش والشعب، ملتحمين ضمن مسيرة الكفاح الوطني في معركة التحرير، وواصلوا نضالهم لاستكمال الاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية، فهبت طلائعهم في انتفاضة 23 نونبر 1957 ملحقة بقوات الاحتلال أفدح الخسائر والهزائم، وعززوا صفوف جيش التحرير، مثلما ساندوا ودعموا من قبل حركة المقاومة المغربية، وظلوا في واجهة الكفاح لتحرير ما ظل مغتصبا من التراب الوطني.
وعبرت وفود أبناء المنطقة باستمرار عن التحامها بالعرش العلوي في مسيرة استكمال التحرير، التي تقلد مشعلها وحمل لواءها الملك الموحد جلالة المغفور له الحسن الثاني، مواصلا جهاد والده المنعم بطل الحرية جلالة المغفور له محمد الخامس، الذي أعلن جهارا استمرار ملحمة التحرير في خطابه التاريخي بمحاميد الغزلان في 25 فبراير 1958، وهي السنة التي استرجع فيها المغرب منطقة طرفاية إلى حظيرة الوطن.
ولم يكن تحرير مدينة سيدي إفني إلا منطلقا لتقوية جهود المغرب في استعادة باقي أجزائه المحتلة، إذ ظل العرش والشعب في ملحمة الجهاد الأكبر إرادة واحدة موحدة تجعل قضية الوحدة الترابية أولى الأولويات.
واحتفاء بهذه الذكرى الوطنية المجيدة، ستحتضن مدينة سيدي إفني برنامجاً احتفالياً صباح اليوم السبت يتضمن إقامة مهرجان خطابي بالقاعة الكبرى التابعة لبلدية سيدي إفني، تنظمه المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وستلقى خلاله كلمات تستحضر الدلالات السامية والمعاني الوحدوية العميقة لهذا الحدث التاريخي، الذي يجسد معلمة وضاءة على درب التراب الوطني.
وقالت المندوبية السامية، في بلاغ بالمناسبة، إن أسرة المقاومة وجيش التحرير وهي تحتفي بالقيم الخالدة، التي تزخر بها ملحمة التحرير والوحدة وضمنها ذكرى استرجاع مدينة سيدي إفني تتوخى تنوير أذهان الناشئة والشباب وأجيال الوطن الصاعدة بالمعاني العميقة لهذه الملحمة المجيدة والتزود بعبرها ومعانيها ودلالاتها العميقة وإذكاء روح الوطنية الخالصة الثابتة والأصيلة ومواقف المواطنة الفاعلة المسؤولة والإيجابية لتحصين الأجيال وتمنيعها وتقوية عزائمها للإسهام في مسيرات البناء والنماء والتشييد.