على هامش لقاء وزير الداخلية مع قادة الأحزاب في موضوع الانتخابات

الدولة والأحزاب لم تستطيعا اقناع المواطنين للتسجيل في اللوائح الانتخابية

الإثنين 25 يونيو 2007 - 09:41

في إطار تهييء الدولة والمؤسسات الحزبية المغربية لولوج المعركة السياسية المقبلة، انعقد بمقر وزارة الداخلية، يوم الجمعة ما قبل الماضي، لقاء تواصلي، جمع وزير الداخلية ووزير العدل ووزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة والوزير المنتدب لدى وزير الداخلية، من

من جهة ثانية، وكان محور الاجتماع مجموعة من المسائل، التي تهم استحقاقات شتنبر المقبل، وسنحاول في هذا المقال تقديم قراءة في أهم القضايا، التي جاءت في بلاغ وزير الداخلية، بهذا الخصوص.

1- نتائج المراجعة الاستثنائية الأخيرة للوائح الانتخابية

يخرج المتأمل في البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية في هذه المسألة بقناعة مفادها أن ما تضمنه بلاغ وزارة الداخلية في هذا البلاغ ليس مقنعا وفيه كثير من المطمور، لأنه إذا كانت وزارة الداخلية نوهت بعدد المسجلين الجدد، الذين وصل عددهم إلى مليون و553 ألف ناخب جديد، فإنها سكتت عن الاعتراف بالقول إن هذا العدد من المسجلين يبقى عاديا جدا، مقارنة ما راهنت عليه الدولة، التي كانت تراهن على أن يتجاوز عدد المسجلين المليونين أو أكثر.

والشيء نفسه يمكن قوله على نسبة تسجيل المغاربة المهاجرين، التي كانت مخيبة للآمال، إذ أنها لم تتجاوز حوالي 17 ألف مسجل.

وفي هذا الصدد، نشير إلى أن هؤلاء المسجلين، سواء كانوا من المواطنين القاطنين بالمغرب أو بخارجه، لا يعني أنهم سيكونون من المصوتين في استحقاقات شتنبر 2007، دون احتساب نسبة الأوراق الملغاة، التي تحدث أثناء عملية التصويت.

وانطلاقا من هذه المؤشرات، فإن عدد المسجلين والمصوتين في انتخابات 2007 لن يكون مختلفا كثيرا عن عدد المسجلين في سنة 2002، الذي بلغ 13 مليونا و884 ألفا و467، وعن عدد المصوتين الذي بلغ 7 ملايين و165 ألفا و206 ناخبين.

ووصل عدد الأوراق الملغاة بالنسبة إلى اللوائح المحلية 1 مليون و114 ألفا و527، فيما بلغ عدد الأوراق الملغاة بالنسبة إلى اللوائح الوطنية 1 مليون و288 ألفا و836، دون التعرض إلى مسألة نسبة الأمية، خصوصا في القرى، التي بلغت نسبة التسجيل فيها 47.6 في المائة.

والدلالة الأولى، التي تستنتج أن ما جاء في بلاغ وزير الداخلية في هذه المسألة يبرهن على أن الدولة والأحزاب السياسية لم تستطيعا إقناع عدد من المواطنين، وخصوصا الشباب، للتسجيل في اللوائح الوطنية، وهو ما يشكل فشلا نسبيا في استراتيجيتهما لإقناع المواطنين للتسجيل في اللوائح الانتخابية.

وفي هذه النقطة، لم تمتلك الدولة والأحزاب الجرأة السياسية للاعتراف بمسؤوليتهما عن الفشل في تحقيق نسبة عالية من المسجلين في اللوائح الانتخابية.

ونشير إلى أن اللوائح المذكورة ستخضع لمزيد من الإجراءات القانونية لتنقيتها وضمان سلامتها من الأخطاء المادية، خاصة المتعلقة بالتسجيلات المتكررة، إذ تقرر إخضاع اللوائح المذكورة لعملية ضبط على صعيد مختلف الجماعات القروية والحضرية، وذلك خلال الفترة الممتدة من 30 ماي إلى غاية 26 يونيو.

قبل أن يقع إخضاعها للمعالجة المعلوماتية بواسطة الحاسوب على الصعيد المركزي بوزارة الداخلية، وذلك لرصد جميع الحالات، التي قد تشكل تسجيلات متكررة أو أخطاء مادية، والتي ستعرض مجددا على اللجان المختصة بمختلف جماعات المملكة، قصد دراستها واتخاذ الإجراءات اللازمة طبقا للأحكام القانونية الواردة في مدونة الانتخابات.

قبل أن يجري حصرها نهائيا بتاريخ 26 يونيو الجاري، ليقع بعد ذلك طبعها وتوزيعها منتصف شهر يوليوز المقبل.

2- مساهمة الدولة في تمويل الحملة الانتخابية

حسب بلاغ وزارة الداخلية، رصدت الدولة 200 مليون درهم لدعم الأحزاب السياسية لتمويل الحملة الانتخابية المقبلة، أي بزيادة 50 مليون درهم مقارنة مع دعم الدولة للأحزاب أثناء الانتخابات التشريعية سنة 2002، وستستفيد كل الأحزاب السياسية من تسبيق جزافي قدره 500 ألف درهم، بالإضافة إلى مبلغ يحتسب حسب عدد الأصوات وعدد المقاعد، التي نالها كل حزب خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2002 .

وفي هذه المسألة لم يحدد بلاغ وزير الداخلية كيفية مراقبة هذا الدعم، بل أن وزير الداخلية ووزير العدل سكتا عن كيفية إلزام الأحزاب السياسية توزيع هذه الأموال على المرشحين ومطالبتها بيع التزكيات ومنحها لأصحاب المال والشكارة والأعيان وهو ما يؤثر سلبيا على تسييس العملية الانتخابية.

والأكيد أن استعمال المال في هذه الانتخابات بتواطؤ بعض زعماء الأحزاب السياسية وسكوت الدولة سيؤثر كثيرا على نسبة المشاركة الشعبية في هذه الانتخابات، إضافة إلى أن مسألة التمويل ستطرح إشكالية حقيقية، وعلى هذا الأساس فان وضع قواعد وآليات لضبط ومراقبة نفقات الحملة الانتخابية والقيام الخبرة بالمحاسباتية يبقى من مهام الدولة باعتبارها المسؤول المباشر عن تدبير السياسات المالية العمومية وفقا لأحكام مدونة الانتخابات (المادة 285).

وفي هذا الصدد، نشير إلى أن القانون الجديد حدد دعما سنويا للحزب السياسي ضمن قانون المالية في كل سنة (المادة 29)، ولضمان استقلالية الأحزاب وتفادي أي تأثير على المسار والخط السياسي للحزب، نص قانون الأحزاب على منع تلقي الحزب أي دعم كيفما كانت طبيعته سواء من طرف الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية وكذا الشركات، التي تملكها الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات (المادة 30)، أو تأسيسه أو تسييره بناء على مصادر تمويل أجنبية الأحزاب السياسية.

ولا بد أن نشير إلى أن الدولة والأحزاب السياسية المغربية ما زالتا متخلفتين في كيفية ترشيد الدعم المالي، عكس عدد من الدول، إذ تلزم هذه الدول الأحزاب السياسية بتخصيص نسبة في المائة من مساهمة الدولة للبحث وتعزيز قدرات الحزب وتوفير مراكز التكوين السياسي وتنشيط التوسع المؤسساتي.

وبهذا تزاوج هذه الدول في تمويلها للأحزاب السياسية بين دعم العمل الحزبي الانتخابي ودعم التكوين السياسي وتقوية الفكر المؤسساتي الديمقراطي، لأن السؤال، الذي يطرح، هو :

هل زعماء الأحزاب السياسية متوفرون على النزاهة الفكرية والأخلاقية للالتزام بالشفافية في وضع هذا الدعم رهن الحزب والمرشحين؟

وهل الدولة قادرة على أن تفرق بين قانونية تمويل الأحزاب السياسية والتدخل في شؤونها؟

ونشير هنا إلى أن الدعم المالي، الذي تقدمه الدولة للأحزاب هو دعم ينبني على مقتضى جديد بعد اقتصاره في السابق على تمويل الحملات الانتخابية طبقا للقانون رقم 97.9 المتعلق بمدونة الانتخابات، لكنه أصبح دعما مشروطا بضرورة حصول الحزب على نسبة 5 في المائة على الأقل من عدد الأصوات المعبر عنها في الانتخابات العامة التشريعية برسم مجموع الدوائر الانتخابية المحلية.

لكن ما سكتت عنه الدولة هو في حالة فشل حزب ما في تجاوز هذه العتبة، فهل ستلزمه الدولة باسترداد هذا الدعم أم لا؟

وهل كل الأحزاب قادرة على تمويل حملاتها الانتخابية وتغطية كل الدوائر الانتحابية، التي أصبحت 95 دائرة انتخابية.

3- إشراك ملاحظين مستقلين لتتبع العملية الانتخابية

لضمان نزاهة العملية الانتخابية المقبلة، جاء في بلاغ الداخلية أن الدولة ستشارك ملاحظين مستقلين لمتابعة الانتخابات المقبلة وذلك بتنسيق مع المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بصفته المؤسسة الوطنية المكلفة بتيسير التعاون بين السلطات العمومية وممثلي الجمعيات الوطنية والدولية في مجال الحقوق المدنية والسياسية.

وهي جرأة سياسية تؤكد عزم الدولة في تأمين نزاهة هذه الانتخابات، خصوصا وان تنظيم الانتخابات التشريعية لسنة 2007 يأتي في ظرف سياسي دقيق يهيمن عليه مشروع الحكم الذاتي من جهة والرهان على الديمقراطية التمثيلية الحقة من جهة أخرى
وهو خيار استراتيجي سيجعل التجربة السياسية المغربية على المحك من جديد، والأكيد بأن الدولة أصبحت أكثر اقتناعا بضرورة توفير الشروط الموضوعية والذاتية لإجراء الانتخابات في شروط عادية، ولذلك تراهن من خلال هذه الإجراءات جعل انتخابات سنة 2007 محطة أساسية في تاريخ الانتخابات بالمغرب باعتبار أن الانتخابات النزيهة هي الكفيلة بتأمين الانتقال الديمقراطي وبناء المؤسسات على أساس المصداقية والنزاهة والتداول على الحكم.

أما في ما يتعلق بإشراف الإدارة الترابية على إجراء هذه الانتخابات فيجب أن نميز فيه بين الجانب القانوني وبين الجانب الإرادوي ونقصد به الإرادة والجرأة السياسيتين لضمان سلامة نزاهة هذه الانتخابات.

ونشير في هذا الصدد إلى أن عملية الإشراف على العمليات الانتخابية تعد من المداخيل الأساسية لتأهيل النظام الانتخابي، ووجود سلطة مستقلة يعد من أفضل الأساليب الديمقراطية لإجراء انتخابات نزيهة تضمن تكافؤ الفرص بين الأحزاب المتنافسة وهو ما يعمل به في أكثر من 57 دولة تعرف الانتقال الديمقراطي كالمغرب.

إذ يقوي وجود هذه الهيئة المستقلة للسهر على العمليات الانتخابية الثقة في الانتخابات وتوسيع نطاق المشاركة السياسية.

وفي المغرب ارتبطت عملية الإشراف بالإدارة أي بوزارة الداخلية وهو ما عمل القانون التنظيمي لمجلس النواب المعدل على تأكيده في أكثر من مادة حيث تلعب وزارة الداخلية دورا محوريا من خلال العمال والولاة والقواد والباشوات والشيوخ والمقدمين، الذين لهم عدة سلط من أهمها سلطة الطعون في نتائج الانتخابات.

والأساسي هنا هو أن تتحلى الموارد البشرية التابعة للداخلية بقيم المواطنة الحقة أثناء سير العمليات الانتخابية لتؤكد أنها لم تعد مصدر الفساد الانتخابي.

4- دور القضاء في تحصين العملية الانتخابية

من المسائل، التي جاءت في بلاغ الداخلية هو تطرق وزير الداخلية إلى دور القضاء في تحصين العملية الانتخابية بما فيها تفعيل المقتضيات الزجرية ضمانا لسلامة هذا الاقتراع، لكن بلاغ وزير الداخلية سكت عن كيفية إمكانية القضاء في تحصين العملية الانتخابية في ظل قضاء ما زال يضم بينه قضاة غير نزهاء.

وحضور القضاء في الانتخابات يطرح عدة أسئلة : كيف يمكن إجراء انتخابات نزيهة في ظل إشراف قضائي؟ هل يمكن القضاء أن يقوم بمهمة المراقبة دون أن يكون مستقلا وديمقراطيا؟ وهل يمكن القضاء أن يكون فاعلا في الانتخابات دون موارد بشرية مؤهلة ومختصة في المنازعات الانتخابية؟ هل يمكن القضاء أن يلعب دورا في الانتقال الديمقراطي بالمغرب؟ وهل يمكن أن تجرى الانتخابات تحت إشراف قضائي دون تدخل وزارة الداخلية؟ ان الهدف من طرح هذه الأسئلة هو قناعتنا بأن الإشراف القضائي على الانتخابات يرتبط بتفعيل دور البرلمان وتقوية الأحزاب وضمان تكافؤ الفرص عبر ضمان نزاهة العملية الانتخابية وتوفير إشراف محايد ومستقل، وكذلك تيسير حق المواطن في المشاركة في الانتخابات العامة في ضوء التطورات، التي يشهدها الحقل السياسي، والأكيد أن القضاء المستقل يمكنه تحقيق المساواة بين المواطنين في التمثيل السياسي وخلق فرص متساوية للتنافس بين الهيئات والأحزاب السياسية حول البرامج وليس حول الأشخاص، وحماية إمكانية تزوير إرادة المواطن، ومراقبة ترشيد نفقات المال العمومي.

لكن في غياب إرادة سياسية عند صناع القرار السياسي بالمغرب أعتقد أن القضاء المغربي لن يخرج في كثير من الأمور في طريقته تحصين العمليات الانتخابية المعروفة بالتردد وبالبطء رغم إخراج عدد من القوانين والمراسيم والبيانات المشتركة لتحصين العملية الانتخابية.

ونسجل بالمناسبة ( ما أصبح طلق عليه )+ بالحياد الإيجابي للإدارة الترابية في تدبير الانتخابات، بعد أن كانت تتدخل فيها بشكل مباشر ومكشوف، لكن في الاتجاه المعاكس نلاحظ افتقاد الأحزاب السياسية كل شكل من أشكال المناعة في مواجهة الفساد بين هياكلها أو مرشحيها أو منحهم التزكية.

وأخيرا نقول إن الكل مسؤول عن توفير الشروط الذاتية والموضوعية لتحصين العملية الانتخابية الناجعة.

وعلى الفاعلين السياسيين، أي الدولة والأحزاب السياسية، الالتزام بتطبيق القانون ونهج مبدأ المساواة مع كافة المترشحين واحترام مقتضيات مدونة الانتخابات من قبل الناخب والمنتخب على حد سواء كلها، وإلزام زعماء الأحزاب باحترام الأجهزة الحزبية والديمقراطية الداخلية وتزكية المرشحين، الذين لهم برامج واقعية وصادقة .

وفي هذا الصدد، نقول إن المشكل الحقيقي ليس هو الاختلاف أو الاتفاق مع مضمون بلاغ وزير الداخلية ولقائه زعماء الأحزاب، بل جعل أجواء الانتخابات تشكل مدرسة حقيقية لترسيخ الفعل الديمقراطي والالتزام السياسي ودعم محطة مرحلة الانتقال الديمقراطي، التي طالت نحو تدشين محطة الديمقراطية الفعلية.

وإذا كان الكل اقتنع أن المضي في المسلسل الديمقراطي هو اختيار لا رجعة فيه بالنسبة إلى المغرب، فأعتقد شخصيا أن الانتخابات التشريعية المقبلة ستكون محطة أساسية تجسد دعائم هذه الديمقراطية وترسخها، وعلى هذا الأساس، فتدشين هذه المحطة تبقى مسألة قناعة سياسية وأخلاقية، قبل أن تكون قانونية أو إدارية.

فالأرضية القانونية لضمان نزاهة العمليات الانتخابية متوفرة ومقنعة، ولكن توفر هذه الأرضية لا تكفي وحدها لضمان نزاهة العمليات الانتخابية، ما لم يرافقها استعداد أخلاقي لتكريس هذه النزاهة، باحترام المسلسل الديموقراطي، والحرص على سمعة البلاد ومصداقية مؤسساتها، وتحمل الجميع إدارة وأحزابا وإعلاما ومجتمعا مدنيا مسؤولية الانخراط في إنجاح استحقاقات شتنبر 2007 خصوصا بعد انطلاق المفاوضات المغربية مع البوليساريو لإيجاد حل للنزاع المفتعل حول الصحراء عبر منح هذه الأقاليم حكما ذاتيا موسعا أسسه الشفافية والدمقرطة الحقيقيتان.




تابعونا على فيسبوك