مقترح المغرب اعتمد منهجية واقعية وديمقراطية لتسوية ملف الصحراء

الثلاثاء 19 يونيو 2007 - 21:40

يشارك المغرب، أمس (الاثنين) واليوم(الثلاثاء)، في مفاوضات نيويورك بحسن نية ورصانة، مقدما بذلك ضمانة جديدة للمجتمع الدولي عن إرادته في تجاوز هذا النزاع الذي أعاق بشكل كبير كل جهد للاندماج الاقتصادي المغاربي.

وكانت المجموعة الدولية أعلنت بالفعل، من خلال القرار رقم 1754 الذي جرت المصادقة عليه بالإجماع من طرف أعضاء مجلس الأمن في 30 أبريل الماضي عن معالم مقاربة جديدة، واقعية وبراغماتية، من أجل تسوية هذه القضية التي يجمع الكل اليوم على أنها دامت أكثر من اللازم.

وبوصفه للجهود المبذولة خلال الأشهر الأخيرة من قبل المغرب، بالجدية وذات المصداقية، فإن مجلس الأمن عبد أيضا الطريق، ووضع خريطة طريق نوعا ما للمفاوضات، التي ينتظر أن تجري يومي 18 و19 يونيو الجاري بنيويورك بين الأطراف المعنية تحت إشراف الأمم المتحدة، للبحث عن حل سياسي نهائي لقضية الصحراء.

ويتعلق الأمر، حسب العديد من المراقبين بمقاربة جديدة تزيح من الطاولة كل المقاربات، التي قدمت لحد الآن لتسوية هذه القضية، والتي قادت إلى مأزق لأنها غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع، ومن شأنها التشويش لمدة أطول على هذا المشكل، في الوقت الذي لم تعد فيه ضرورة الاندماج الاقتصادي والسياسي لبلدان المغرب العربي مجرد أمنية إقليمية، بل موضوع انشغال رئيسي لدوائر خارج المنطقة.

وانطلاقا من رصيد المصداقية، الذي يحظى به المغرب على الصعيد الدولي، باعتباره بلد حركية ومبادرة، منخرط في المشاورات الدولية الكبرى، اقترح المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، منهجية جديدة، واقعية وبراغماتية، ديمقراطية وحضارية، لتسوية هذا الملف، مستلهما في ذلك نماذج الحكم الذاتي القائمة في أوروبا ومناطق أخرى من العالم، وتجارب مطبقة في بلدان الجوار القريب، تشكل نماذجا أثبتت جدواها كدعامات لتقدم ديمقراطي وتنمية سوسيو اقتصادية.

إن المغرب منخرط بالفعل، منذ بضعة سنوات، في إصلاحات عميقة تهم كل الميادين (حقوق الإنسان، ووضعية المرأة، وإعادة هيكلة الحقل الديني، وتحرير قطاع الاتصال السمعي البصري، وإصلاح قانون الصحافة، والقوانين الانتخابية، وقانون محاربة الإرهاب)، وأوراش اقتصادية مهيكلة وضخمة، استقطبت استثمارات أجنبية كبيرة.

ويشكل تدفق الاستثمارات، الذي ينتظر أن تمكن نتائجه من توفير عشرات الآلاف من مناصب الشغل القارة والموسمية وتعود بالأثر الإيجابي على كافة القطاعات، بالنسبة إلى المملكة، علامة ارتياح دولي لدى شركائها والمؤسسات الدولية الكبرى، بل وأيضا عامل تشجيع وضمانة لكافة مبادراتها، وخاصة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس من أجل محاربة الهشاشة.

كما يمكن أن يلاحظ هذا الانفتاح من قبل المملكة من خلال تنوع عناوين الصحافة المكتوبة المعروضة في أكشاك بيع الجرائد، وحرية التعبير التي تتمتع بها الصحافة، والتي يمكن أحيانا أن تصطدم مع قواعد أخلاقيات المهنة في بلد ما فتئ يشهد تحولا وفي أوج إعادة الهيكلة.

فهي توفر للقراء في المغرب ولمختلف المراقبين الأجانب، مؤشرا بارزا على الخطوات التي حققتها المملكة في مجال حرية الصحافة والتعبير، في مجال جغرافي هو مجالها، كما تلقي الضوء على المغرب الجديد والحديث وعن طموحاته ومشاريعه المستقبلية
وفي هذا السياق فإن المغرب، القوي بفضل المكانة المرموقة التي أوجدها لنفسه على الصعيد الدولي، وتتويجا لنقاش ديمقراطي وتشاركي، ملتزم بمبادرة صاحب الجلالة، مع كافة الفاعلين السياسيين ومختلف الحساسيات التمثيلية لسكان الأقاليم الجنوبية، من خلال مجلس ملكي استشاري للشؤون الصحراوية، أعيدت هيكلته ومجهز بما فيه الكفاية لكي يكون نواة للتفكير وقوة اقتراحية، اقترح مقاربة جديدة لمعالجة قضية الصحراء.

ولقيت هذه الخطوة المتبصرة والتي حظيت بدعم جميع الفاعلين في الداخل، انخراط وتعاطف المجموعة الدولية التي قدمت، بعد أن يئست من استمرار مشكل يبدو مغرقا في المحلية، دعمها للمقترح المغربي بشأن منح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، دعم يتجلى في قرار مجلس الأمن رقم 1754 .

أمور لا تخطئها العين

من الأمور التي لا تخطئها العين بالأقاليم الجنوبية، مظاهر التنمية ومؤشراتها المرتفعة, التي يكتشف الزائر لهذه الأقاليم من خلالها، إرادة البناء التي تبنتها الدولة في مجال بنيت فيه مدن بكاملها، بكل ما تستلزمه المدينة من متطلبات.

فقبل حوالي أقل من عقدين من الزمن، كان المرء يحتاج إلى كثير من الوقت والجهد، للسفر، أو الاتصال بواسطة الهاتف، أو حتى اقتناء بعض الحاجيات اليومية التي لم تكن موجودة بالوفرة التي هي عليها اليوم.

كان اقتناء قنينة"البوطان" يقتضي البحث عن طاكسي صغير للوصول إلى المستودع الخاص بذلك، أو انتظار عربة تجرها دابة يعرض صاحبها هذه السلعة، أو في أحسن الأحوال وجود بعض الدكاكين المرخص لها ببيع هذه القنينات.

ولأن التوفر على الكميات الكافية من الماء يعد أحد المظاهر الراقية للتنمية، فإن استحضار معاناة السكان مع الماء قبل سنوات، سيعرف الإنسان من خلاله كم هو عمق التحول الإنمائي الذي تحقق بالأقاليم الجنوبية .

كان المرء في حاجة إلى شراء براميل بلاستيكية لتخزين المياه أو لإقامة خزانات مدفونة, أو وضعها على سطح المنزل في سياق ثفافة للتخزين, كانت تفرضها ندرة المياه
ولم يكن ممكنا حينها تصور فضاءات المدينة، كي لا نقول التجمعات السكنية القروية، بدون وجود شاحنات صهريجية تبيع الماء، وتقطع هذه الفضاءات جيئة وذهابا، مستعملة منبهاتها لعرض هذه المادة، التي يكون فيها الزبون محظوظا لو كان منزله سفليا وإلا لاقتضى الأمر استعمال المحرك وخراطيم المياه والصعود إلى الأسطح لتفريغ المياه في الخزانات.

إنها بعض مظاهر الندرة التي كان من ضمن تجلياتها أيضا ضرورة الانتظار ساعات طوال لإجراء اتصال هاتفي مع ابن أو أم أو أحد أفراد العائلة أو صديق في مدينة أخرى
كان على المرء أن يتصل بمركز البريد ويركب رقم 10 وينتظر دوره لإجراء مكالمته
وسيكون هذا المرء محظوظا لو لم ينقطع الاتصال وسط المكالمة لمحدودية التجهيزات ووسائل الربط ورداءة الأحوال الجوية.

والأمر كان منطبقا أيضا على الإدارات والمؤسسات والشركات وغيرها التي كانت بعض مصالحها تضيع في زحمة البحث عن حل أو حلول تقنية أو توفير تجهيزات وبنيات تحتية في تسابق مع الزمن كي لا يتكرر ذلك.

إنها بعض الإكراهات التي كانت مطروحة على الدولة وعلى مختلف القطاعات لكي تضع الخطط والاستراتيجيات اللازمة للرفع من مستوى التنمية, سواء من حيث توفير التجهيزات التحتية أو السوسيو اقتصادية, لتدارك كل عجز موروث بمجال جغرافي كان الخصاص والندرة وانعدام التجهيزات سمته الأساسية قبل سنة 1975. واليوم يحق للإنسان المغربي أن يفتخر بما يراه أمامه من منجزات تحققت بفضل إرادة أبنائه وتضامنهم وعزيمتهم على المضي بمسيرة التنمية إلى أبعد مدى تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس والأوراش الكبرى التي فتحها.

إن صورة الخصاص التي كانت تشكو منها الأقاليم الجنوبية، أصبحت اليوم من قبيل النوستالجيا، وتركت على أرصفة الماضي.

فالماء متوفر بالمدن بفضل المنشئات المائية (محطات تحلية مياه البحر, ومحطات المعالجة, وشبكات التزويد والخزانات المائية).

وعلى سبيل المثال لا الحصر, بلغ حجم استثمارات المكتب الوطني للماء الصالح للشرب بجهة وادي الذهب الكويرة, ازيد من 186 مليون درهم, منها أزيد من 106 ملايين درهما استثمرت في الفترة مابين 1982 و2005, فيما برمج أزيد من 80 مليون درهم عن الفترة ما بين2006 و2007 .

وبلغت الاستثمارات المنجزة من طرف المكتب بجهة كلميم السمارة خلال العشرية الأخيرة، ما يناهز744 مليون درهم, خصص منها لقطاع الماء ما قيمته 620 مليون درهم ولقطاع التطهير السائل124 مليون درهم.

وتقدر مجموع الاستثمارات المنجزة من طرف المكتب الوطني للماء الصالح للشرب في قطاع الماء الشروب بالعيون بأكثر من ملياردرهم, مكنت من إنجاز مشاريع ضخمة .

ومن أهم هذه الإنجازات إحداث محطة لتحلية ماء البحر وتوسعتها ليصل صبيبها الإجمالي إلى13000 متر مكعب في اليوم، بالإضافة إلى إنجاز وحدة لإزالة الأملاح المعدنية (800 م3 /اليوم)، ووضع شبكة للتوزيع بمركز طرفاية، وتقوية وتوسيع شبكة التوزيع بالعيون، وتزويد مراكز المرسى وفم الواد بالماء الصالح للشرب.

ولتلبية الحاجيات المتزايدة من الماء الشروب لسكان المراكز الحضرية والقروية التابعة للإقليم, سطر المكتب الوطني للماء الصالح للشرب أيضا برنامجا للاستثمارات تقدر كلفته بحوالي 384 مليون درهم.

وبالإضافة إلى ذلك، ساهم المكتب الوطني للماء الصالح للشرب في تمويل مشروع إنجاز قناة تحويل مياه سد الساقية الحمراء نحو الفرشة المائية لفم الواد الذي تصل كلفته إلى 56 مليون درهما, كما سطر برنامجا استعجاليا في قطاع التطهير السائل بالإقليم تبلغ كلفته حوالي 410 مليون درهم، وبرمج القيام خلال سنة 2007 الشروع في دراسة إنجاز شبكة للصرف الصحي ومحطة لمعالجة المياه المستعملة بمراكز الطاح والدورة
وعلى صعيد الاتصالات، تتوفر الأقاليم الجنوبية اليوم على إحدث وسائل الاتصال من محطات وشبكات للهاتف التابث والنقال والأنترنيت ومختلف الوسائط التي جاءت بها التكنلوجيا الحديثة التي كانت إلى سنوات قليلة خلت من قبيل الحلم، ولكنه حلم تحقق بفضل عمل تنموي موصول الحلقات أعطى نتائجه.

ومن تلك النتائج ما نلمسه من خلال مؤشرات تطور الخدمات الصحية بهذه الأقاليم, إذ ارتفعت نسبة المؤسسات الصحية وعدد الأطباء والممرضين, وتنوعت التخصصات والعمليات والخدمات التي يجري القيام بها.

فبإقليم العيون وحده, واستنادا إلى معطيات لمندوبية الصحة، ارتفع عدد الأطباء من10 سنة1976 إلى 98 طبيبا سنة2007, فيما ارتفع عدد الممرضين خلال الفترة نفسها من 132 إلى430 وعدد الأسرة بالمستشفيات من 114 إلى 430 .

وانتقل عدد الفحوصات الطبية من 37762 سنة 1985 إلى 217699 سنة2007, فيما انتقل عدد العمليات الجراحية من 723 سنة 1995 إلى 2618 هذه السنة.

ولأن الطريق تعد المدخل والحامل الأساسي للتنمية، فإنه يكفي الإشارة إلى أن الأقاليم الجنوبية لم تكن بها طرق تذكر قبل 1975 باستثناء بعض المسالك الطرقية غير المعبدة وبعض الكلمترات من الطرق, التي لم تكن تتوفر على المواصفات المطلوبة.

ويمكن اليوم التجول بالسيارة من أي نقطة في الجنوب المغربي إلى الحدود المغربية الموريتانية على امتداد المئات من الكيلومترات بالطريق الوطنية رقم1 والطرق الوطنية الأخرى الرابطة بين المدن، سواء أكانت طرقا رئيسية وطنية أو إقليمية.

ويبلغ طول الشبكة الطرقية بجهة العيون بوجدور الساقية الحمراء وحدها 1477 كلمترا، منها897 كلمترا من الطرق الوطنية، و580 من الطرق الإقليمية.

وهذه الشبكة التي تصل عدد الكلمترات المعبدة منها 977 كلم تؤمن الولوج إلى 10 جماعات قروية بالجهة, وتلعب دورا مهما في تنقل الأشخاص والبضائع .

ولعل في إنجاز تثنية الطريق الرابطة بين العيون والمرسى أبلغ صورة على الأهمية التي تولى لإنجاز الطرق والرفع من وظائفها والخدمات التي تقدمها وتوفير السلامة الطرقية لمستعمليها.

إن في كل ذلك تجسيد لهذه الروح من البناء التي تنطق بها أوجه هذه التنمية من مطارات وموانيء وربط بالشبكة الوطنية للكهرباء وتوفير المؤسسات التعليمية والاجتماعية والتكوينية وتوفير كل البنيات الضرورية لتنمية المدن وتأهيلها.

إنجازات رائدة ومشاريع مندمجة

في إنشاء خزانات وسائطية بالأقاليم الجنوبية، كمشروع يهدف إلى مسايرة برنامج تحديث شبكة القراءة العمومية بهذه الأقاليم، وفي تطوير تجهيزات القراءة العمومية وتحديث فضاءاتها صورة حية عن التحول التنموي بهذه الأقاليم الذي انتقل من مستوى توفير البنيات التحتية إلى مستوى التنمية البشرية بهذه المنطقة .

ولعل في الاهتمام بالشأن الثقافي أبلغ الصور التي تنم عن الحياة المتجددة لمسيرة تنموية تنوعت مضامينها ومجالاتها والمستهدفون منها، بدءا بالبنيات التحتية، وصولا إلى إعادة هيكلة المدن وبناء المجال والإنسان.

وانطلقت هذه المسيرة التنموية غداة استرجاع الأقاليم الجنوبية ببرامج استعجالية لتدارك الخصاص الحاصل في البنيات التجهيزية, التي كانت تفتقر إليها المنطقة كليا قبل أن تعزز ببرامج قطاعية، وتتخذ صيغا يتكامل فيها عمل المؤسسات العمومية والمجالس المنتخبة والقطاع الخاص.

واتخذت هذه التنمية وتيرة متسارعة، خصوصا بعد إنشاء وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لأقاليم الجنوب بالمملكة، التي وضعت برنامجا لتنمية هذه الأقاليم في الفترة من2004 إلى 2008, باستثمار يصل إلى7 ملايير و200 مليون درهم لإنجاز226 مشروعا.

ويقوم هذا البرنامج الذي يهم محاور"السكن والتنمية الحضرية" و"قرى الصيد"و"الماء والبيئة" و"الطرق والبنيات التحتية" و"السياحة والصناعة التقليدية"و"الفلاحة وتربية المواشي" و"الدراسات ومشاريع القرب"على مقاربة تفاعلية قوامها الإنصات والقرب والتشاور مع مختلف الفاعلين.

ويركز هذا البرنامج على إقامة مشاريع مندمجة ملائمة لواقع المنطقة التي شكل اندماجها في المشروع التنموي الوطني أولوية الأولويات، فمنذ أزيد من ثلاثة عقود بذلت الدولة خلالها مجهودات جبارة مكنتها من تحقيق إنجازات مهمة في ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتجهيزات التحتية.

وأضحت الأقاليم الجنوبية، بفضل هذه الإرادة القوية في البناء، تعيش على إيقاع حركية تنموية متواصلة تتسم بتعدد الأوراش للنهوض بمستويات وشروط التنمية بالمنطقة، ولضمان انخراطها الفاعل ضمن محيطها السوسيواقتصادي جهويا ووطنيا.

وكان للإنجازات المهمة التي تحققت، ضمن إرادة راسخة للبناء أثرها في إحداث نقلة نوعية في مسار التنمية بهذه الأقاليم التي أعطتها زيارات جلالة الملك محمد السادس والمشاريع التي دشنها واعطى انطلاقتها دينامية جديدة.

وتشكل أوراش الإسكان والتعمير أحد المحاور الأساسية في برامج التنمية بالأقاليم الجنوبية، وهي أوراش ساهمت في تحقيق تنمية عمرانية متوازية ومستديمة، كما يتضح ذلك من خلال برامج الوحدة والعودة والوفاق "20 ألف سكن"، والعديد من التجزئات السكنية، وبرامج محاربة السكن غير اللائق، وإعادة هيكلة مجموعة من الأحياء ناقصة التجهيز وإعادة تأهيل المجالات الحضرية الكبرى، مع إعادة الهيكلة وتقوية البنى التحتية.

وقد قامت الدولة، خلال الفترة الممتدة من 1976 إلى 1998، بإنجاز ما يناهز24 ألف وحدة سكنية بهذه الأقاليم، في إطار برنامج استعجالي طبع سياسة التعمير الإرادي، وشمل بالإضافة إلى عمليات إنجاز منازل فردية، توفير بقع أرضية لإشراك المواطنين في بناء مساكنهم.

وشكلت سنة 1999 منعطفا حاسما قي سياسة الإسكان والتعمير بالأقاليم الجنوبية، إذ أعطى جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه إشارة الانطلاقة الفعلية لبرنامج 20 ألف سكن »العودة والوحدة والوفاق« الذي رصد له مبلغ إجمالي يصل إلى مليار و290 مليون درهم، مولت بنسبة98 بالمائة من طرف الدولة.

وغيرت كل هذه المنجزات الإسكانية من ملامح الفضاء المعمار الذي أصبح يتسم بالتناسق، والذي مكن من إحداث مدن بأكملها لم تكن قبل عقود قليلة قائمة الذات كتجمعات سكنية تتوفر على سكن لائق.

واستجابة للحاجيات المتزايدة في مجال السكن تعمل وزارة الإسكان، بشراكة مع وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لأقاليم الجنوب بالمملكة على تفعيل برنامج طموح يرمي إلى إنجاز برنامج جديد يهم تحسين ظروف الإسكان لحوالي41 الف أسرة باستثمار يصل إلى مليار و410 مليون درهم.

ومن المؤشرات الدالة على إرادة التنمية بالأقاليم الجنوبية، بالجهات الجنوبية الثلاثة أيضا، برنامج تنفيذ ومواكبة مسلسل مذكرة21 في الأقاليم الجنوبية الذي وقع السنة الماضية بين وكالة الجنوب ووزارة إعداد التراب الوطني والماء والبيئة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وينطلق هذا البرنامج، البالغ غلافه المالي 10 ملايين درهم من مقاربة تشاركية تتوخى تفعيل منهجية مذكرة 21 على مستوى خمس جماعات بجنوب المملكة، هي طرفاية بجهة العيون، بوجدور الساقية الحمراء وطانطان وأسا وكلميم وطاطا بجهة كلميم السمارة.

ويروم هذا البرنامج الأساسي والطموح الذي يلتقي مع أهداف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية الى دعم الحكامة المحلية وانجاز عدد من المشاريع ذات الطابع السوسيو اقتصادي لفائدة الساكنة المحلية .

وراهنت الدولة والمؤسسات العمومية ومختلف الشركاء على جيل جديد من المشاريع بالأقاليم الجنوبية، يستمد أبعاده التنموية من روح خطابات جلالة الملك والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وأهدافها، من خلال اعتماد الشراكة كاسلوب فاعل لتعزيزالمنجزات وكسب رهان التنمية المستدامة والمتكاملة الأبعاد.

وما من شك، فإن المنجزات الهائلة التي تحققت بالأقاليم الجنوبية، من مطارات وموانيء وتعميم التزود بالماء والكهرباء واتساع الشبكة الطرقية, فضلا عن إنجاز العشرات من المؤسسات الصحية والتعليمية والتكوينية والثقافية والإعلامية وغيرها، إنما هي كتاب مفتوح ترتسم من خلاله إرادة المغرب الراسخة في تنمية أقاليمه الجنوبية، بما يلبي طموحات ساكنتها.

ومن المؤشرات الدالة على هذه الحقيقة، النتائج التي تحققت في قطاع الصيد البحري وفي مجالات الثقافة والإعلام والتربية والتكوين وفي المجالات التجهيزية والاجتماعية والإنتاجية والخدماتية بكل فروعها.

ويكفي هنا ذكر رقم المعاملات الذي حققه قطاع الصيد البحري، والذي بلغ 9 ملايير و400 مليون درهم سنة 2005 مقابل 7 ملايير قبل سنتين من ذلك.

وللذكر، وضعت الوزارة بشراكة مع صندوق الحسن الثاني ووكالة الجنوب مشروعا لخلق7 قرى للصيد و3 نقط لتفريغ السمك بكلفة إجمالية تصل إلى 915 مليون درهم.

كما أن المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية صادق أخيرا على خلق ألف مقاولة للصيد البحري التقليدي في الأقاليم الجنوبية في ختام أشغال دورته العادية الأولى برسم سنة2007 والتي تدارس فيها موضوع "قطاع الصيد البحري في خدمة تنمية المناطق الجنوبية وتشغيل الشباب في الصيد التقليدي".

وتتواصل الجهود المبذولة للدفع بمسلسل إدماج الأقاليم الجنوبية في المسار التنموي الشامل إلى أبعد مدى، من خلال العديد من البرامج والمشاريع التي تنجز أو التي هي في طريق الإنجاز.

وتتدفق وتيرة الإنجاز تدفق المياه التي أصبحت متوفرة على امتداد ساعات اليوم بمدينة السمارة, العاصمة العلمية والروحية للأقاليم الجنوبية التي كان وصول الماء إليها بهذا الشكل من قبيل الحلم.

إنها صورة حية عن مسيرة تنموية متواصلة ومتجددة انتقلت من مستوى تدبير الخصاص الموروث عن الاستعمار الإسباني إلى مستوى توفير الجودة وضمان الوفرة.




تابعونا على فيسبوك