الحكم الذاتي ومستقبل التفاوض

الإثنين 18 يونيو 2007 - 09:58

بتفعيل قرار مجلس الأمن رقم 1754، من خلال الدخول، اليوم وغدا، في إجراء تفاوض مباشر بين المغرب وبوليساريو، يكون ملف الصحراء المغربية دخل منعطفا جديدا.

لكنه مثقل بوعثاء أزيد من ثلاثين سنة من النزاع، المخلوطة بالنزاعات العسكرية والسياسية بين المغرب وجبهة بوليساريو المسنودة بشكل مباشر ودائم، من قبل الجزائر، كل هذا لا يمكن التخلص منه بجرة قلم سريعة، ما يفرض تعاملات تستشعر كل المعطيات، الإقليمية والدولية، التي تطرح نقط القوة، ومصدر الإزعاج للموقف المغربي ومنهجه السياسي.

إن الاحتكام إلى طاولة المفاوضات، ليس بالأمر الهين، إذ أن المغرب لن يكون في مواجهة البوليساريو فقط، وإن كانت هي التي تظهر على مسرح الأحداث كمخاطب أحادي، وبالتالي فإن الجزائر لا يمكن أن تختار بسهولة الهامش أو الرف، وبذلك فإنها لابد وأن تحوز موقعا يمكنها من متابعة وتوجيه تيار المفاوضات، في ضوء نوع من »الرؤية من الخلف« المتحكم في القرار والمدبر له.

وبدون شك، فإن المغرب حين قبل بمبدأ التفاوض وسبيل الحوار لإيجاد حل سياسي نهائي للنزاع القائم في جنوب المغرب، حول جزء من أرضه، من منظور مشروع الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، فإنه يغلب رؤية استراتيجية تضمن مصالح منطقتنا برمتها، بعيدا عن كل الهزات الطارئة، والمشاكل المصطنعة مثل قضية الصحراء المغربية، التي عطلت وأجلت بناء وهيكلة مشروع المغرب العربي.

حيث جاء في الفقرة الرابعة عشر من المشروع ما يلي : "تحتفظ الدولة باختصاصات حصرية، خاصة منها ما يلي : مقومات السيادة، لاسيما العلم والنشيد الوطني والعملة، المقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك، بصفته أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية وللحريات الفردية والجماعية، الأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية، العلاقات الخارجية، النظام القضائي للمملكة".

ولسنا في حاجة، هنا، إلى أن نذكر بأن »المبادرة« التي تقدمت بها البوليساريو ما هي إلا محاولة بائسة للتشويش على المشروع المغربي وخلخلة أسسه ومنظوراته، ولجم هذا المد الديبلوماسي المغربي الجديد، في أفق الانقضاض عليه، إن تأتى لخصوم وحدتنا الترابية ما يهفون إليه، خصوصا وأن جبهة البوليساريو رددت تلك التعبيرات المتداولة التي تحض على المطالبة بتقرير المصير، مع إضافة ما اعتبرته امتيازا في علاقاتها مع المغرب
من جانبه، فإن المغرب يتحدث بوضوح عن إطار مشروع الحكم الذاتي كوسيلة لتقرير المصير، كل هذا يتم في ضوء تصوره الحريص على التجميع والتوحيد والتعضيد المتناقض كليا مع المنظور الاستعماري القائم على التشتيت والتشرذم والتجزيء.

وإذا كانت البوليساريو ومعها النظام الجزائري "يؤكدان" على الطابع الاستعماري، بخصوص استعادة المغرب لحقوقه التاريخية في أرضه، فإن بلدنا لا يمكن أبدا إلا أن يرى، على غرار التصورات السليمة لمغزى التحرير، أن القضية امتداد للإرث الاستعماري، وأن ما يقوم به هو تصفية الاستعمار، وأنه كان ضحية لهذا الواقع، ولا يمكن لأي بلد أن يكون محتلا لأرضه باستعادتها، وهو المنطق المعكوس والمزيف الذي دأب خصوم وحدتنا الترابية على ترويجه وإشاعته، دون أن يتمكنوا من إضفاء أي شكل من أشكال"الشرعية"عليه
إن المغرب، بطرح مشروعه للحكم الذاتي، يتغيَّى إيجاد حل نهائي للنزاع القائم في المنطقة، عبر مبدأي الحوار والتفاوض، وهذا ما تضمنه المشروع، إذ جاء في النقطة السابعة ما يلي : "ترمي المبادرة المغربية، المفعمة بروح الانفتاح، إلى توفير الظروف المواتية للشروع في مسار للتفاوض والحوار، كفيل بأن يفضي إلى حل سياسي مقبول من جميع الأطراف".

وهكذا تكررت مفاهيم أساسية في بنية خطاب مشروع الحكم الذاتي مثل التفاوض، الحوار، الحل السياسي النهائي، ضمن رؤية شاملة تستحضر كل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والجغرافية، ففي الفقرة الثانية من المشروع يؤكد المغرب على استعداده للاستجابة الدائمة لنداء المجتمع الدولي، بالعمل على الخوض في رهان سلمي، عبر إيجاد حل سياسي نهائي للنزاع الناشب بين أطراف المغرب العربي، من هنا مكمن انخراط المغرب "في دينامية إيجابية وبناءة، ملتزمة بتقديم مبادرة للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء، في إطار سيادة المملكة ووحدتها الوطنية والترابية«، وعلى هذا الأساس، فإن المغرب، كما ورد في الفقرة التاسعة من المشروع، وجه نداء صادقا وواضحا »إلى باقي الأطراف لكي تغتنم هذه الفرصة من أجل فتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة«، كما عبر عن تهيبه للدخول »في مفاوضات جدية وبناءة، انطلاقا من هذه المبادرة، وكذا عن الإسهام في خلق مناخ الثقة الضرورية لإنجاحها".

وبناء عليه، فإن هذا المشروع استرعى كل الاعتبارات القطرية والجهوية والدولية
فالمشروع، من جهة، يحفظ ماء الوجه للجزائر، إذا كانت ترغب في الخروج من هذا النفق، وبإمكان جبهة بوليساريو، في ما يخصها، الاندماج في الوطن، خصوصا بعد موافقة المغرب والبوليساريو رسميا، ولأول مرة على إجراء حوار مباشر، بمصادقة مجلس الأمن على قرار حول قضية الصحراء، يقطع الصلة مع المقاربات الدولية السابقة، ويمكن القول إن النهج الذي اتبعه المغرب، من حيث اعتماد ديبلوماسية المبادرة و"الهجوم" المعقلن، وما يطرحه من مزايا تراعي مختلف التوازنات والمصالح الاستراتيجية لبلدان المنطقة، أعطى اليوم أكله، بقطف بعض ثماره.

وهكذا جاء في الفقرة الثالثة والثلاثين والرابعة والثلاثين ما يلي "إن المملكة المغربية لمقتنعة اليوم، مثل سائر أعضاء المجموعة الدولية، بأن حل الخلاف حول الصحراء لن يتأتى إلا بالتفاوض.وبناء على هذا الخيار، فإن المقترح الذي تطرحه على أنظار الأمم المتحدة، يشكل فرصة حقيقية من شأنها أن تساعد على انطلاق مفاوضات، بهدف التوصل إلى حل نهائي لهذا الخلاف في إطار الشرعية الدولية، وعلى أساس إجراءات توافقية تنسجم مع الأهداف والمبادئ التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة«، ويضاف إلى ذلك، ما جاء في نص المشروع الذي يؤكد على تعهد »المغرب بالتفاوض، بحسن نية وبروح بناءة، منفتحة وصادقة، من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من جميع الأطراف، لتسوية هذا الخلاف، الذي تعانيه المنطقة برمتها ومن أجل ذلك، فإن المملكة على استعداد للإسهام الفعال في توفير مناخ من الثقة، كفيل بالمساعدة على إنجاح هذا المشروع".

وهكذا، فإن المغرب يساهم في تعبيد الطريق أمام كل سعي إلى الدفع »بالتي هي أحسن«، لأن المغرب لم يكن في يوم ما ممتنعا أو متلكئا في الإقدام على الحوار، سواء مع البوليساريو أو الجزائر، أو المجتمع الدولي، فهل يمكن للجزائر أن تتخلى عن أطروحتها التقليدية، وتنأى بنفسها عن الملف، على الأقل، أو تنخرط في صنع أجواء إيجابية؟ وهل بإمكان جبهة البوليساريو أن تنسلخ عن الوصاية الجزائرية، ويتفتق خيالها باعتماد سياسة واقعية، بعد أن وجدت نفسها محشورة في الزاوية، دون أن تكون هذه الموافقة على الحوار المباشر مجرد مناورة سياسية لكسب بعض الوقت، وإفراغ المشروع المغربي من محتوياته؟ وإذا كان بالإمكان القول إن القرار الأممي الجديد، يتبنى في عمقه مضمون المقترح المغربي، الذي ينص على فاعلية وأهمية مشروع الحكم الذاتي، وسلوك طريق التفاوض المباشر، لإزالة كل أسباب وعوامل التوتر، فإن على المغرب ألا يكتفي، فقط، بالاحتفاء بهذا »النجاح« الديبلوماسي والسياسي المرحلي.

ومن هذا المنظور، فإن تحقيق أي مكتسب في الطريق لن يكون حاسما في إمالة الكفة لصالح المغرب، بشكل نهائي، طالما أن مشكل ملف وحدتنا الترابية ما زال عالقا.

لأن النجاح في بداية الطريق أو في منتصفه، ليس هو نفسه، حينما يكون في نهاية المسار.

كل هذا يدعو إلى أهمية عدم انتظار ردود أفعال باقي الأطراف، والاستمرار في تفعيل مشروعه، وإبراز دواعيه ومستلزماته وإيجابياته، بالدينامية نفسها وأكثر، بصرف النظر عن سياق المفاوضات، التي ستجري، في ظل ما قد ينشأ من مناورات وتحركات مناوئة لمصالح المغرب
لذلك، فإنه من اللازم في هذه المرحلة، وفي ما سيأتي من الأيام، أن يستثمر المغرب هذه المعطيات الجديدة، لإحداث دَفْع جديد، من أجل حل سياسي عادل ونهائي، وكيفية الخروج من هذا الامتحان الجديد بسلام، أي تكريس وحدته الترابية وفسح المجال لكل المبتعدين للانخراط في البناء المشترك، وعدم الخضوع لأي ابتزاز أو مأزق عاجّ بالمغامرة.




تابعونا على فيسبوك