قال تاج الدين الحسيني، أستاذ العلوم السياسية ومتخصص في العلاقات الدولية، إن المفاوضات، التي ستجري بين المغرب وجبهة بوليساريو، اليوم وغدا، تأتي تطبيقا لقرار مجلس الأمن 1754، الذي طالب الأطراف المعنية بالنزاع بالدخول في مفاوضات للتوصل إلى حل سياسي.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن هذا المنعطف تجاوز لمخطط جيمس بيكر، الذي كان يرمي إلى تنظيم الاستفتاء، خاصة أن هذا الأخير أصبح من باب الاستحالة، بالنظر إلى الوضعية الحالية للمرشحين للتصويت، وكذلك إلى وضعية عدم قبول اللوائح من كلا الطرفين.
وأكد الحسيني، في تصريحات لـ "المغربية" أن هدف التفاوض يكمن في التوصل إلى حل سياسي، الشيء الذي يعني، بعبارة أخرى، أنه على طرفي النزاع تجاوز مخطط الاستفتاء، وأن يصلا، عن طريق التفاوض، إلى حل مرض ومتوافق حوله، مبرزا أن الاقتراح المغربي حول إمكانية تطبيق حكم ذاتي في الأقاليم الصحراوية تحت السيادة المغربية، طرح يقع في منتصف الطريق بين استمرار الوضع القائم على ما هو عليه، أي الإدارة المغربية المباشرة في عين المكان، ومطالب "بوليساريو" الهادفة إلى تنظيم استفتاء لتقرير المصير، الذي يضع من بين إمكانياته وفرضياته تحقيق الاستقلال.
واعتبر الحسيني أن هذا الخط الوسط، الذي ظل، رغم الظروف، مفتوحا لمزيد من الحوار، يبقى أنجع وسيلة لتكون المفاوضات مطبوعة بالرغبة إلى التوصل إلى حل نهائي للنزاع القائم.
وأضاف الحسيني أن الوفد المغربي، الذي سيمثل المملكة في المفاوضات، يتميز بصبغته الرسمية، مشيرا إلى أنه هو نفسه الوفد، الذي كلف من طرف جلالة الملك بالقيام بعدة زيارات على المستوى الدبلوماسي، بهدف إقناع شركاء المغرب وأصدقائه، بمصداقية مشروعه للحكم الذاتي.
وأوضح الحسيني أن هذا الوفد هو ذاته أيضا الذي شارك في الحوار المفتوح مع مختلف مكونات وحساسيات المجتمع المغربي، في سياق إعداد وصياغة وتطوير مشروع الحكم الذاتي، وبالتالي، فإن تمثيله للمغرب في مفاوضات منهاست المقبلة، يدخل في إطار مواصلة المهمة، التي قام بها على مستوى التشاور، عن طريق التفاوض.
ويتكون الوفد من وزير الداخلية، شكيب بن موسى، وكاتب الدولة في الداخلية، فؤاد علي الهمة، والمدير العام للدراسات والمستندات، محمد ياسين المنصوري، وكاتب الدولة الكلف بالشؤون الخارجية، الطيب الفاسي الفهري، إضافة إلى رئيس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية »كوركاس« خلي هنا ولد الرشيد، الذي يلعب دورا أساسيا في تمثيل كل القبائل الصحراوية، وكذلك ممثل المغرب في هيئة الأمم المتحدة، مصطفى ساهل، باعتباره يتابع الملف مباشرة لدى الهيئة الأممية.
وأوضح الحسيني أنه "عند القيام بقراءة عميقة في تكوينات أعضاء وفد بوليساريو، سنجد أنه هو نفسه الذي شارك في مفاوضات هيوستون 1997، الشيء الذي يمكننا من القول إن بوليساريو، ومن ورائه الجزائر، ما زالا يتمسكان بالماضي".
وأكد الحسيني أن الكل على علم بأن هيوستون أسفرت عن الاتفاق على تطبيق الاستفتاء والشروع في تحديد لائحة المصوتين، وبالتالي فإن اختيار "بوليساريو"للوفد نفسه له دلالته الخاصة، إذ يترجم استمرار تشبثه بالمواقع ذاتها، التي تجاوزتها الأحداث، بما في ذلك مخطط بيكر، ومعه مخطط الاستفتاء، الذي جرت تصفيته منذ اتفاق هيوستون.
وحول جو التفاؤل السائد إزاء المقترح المغربي الخاص بمنح حكم ذاتي للأقاليم الصحراوية، على أساس ما لقيه من تأييد ودعم من قبل العديد من الدول المؤثرة، التي وصفته بالحل العقلاني والصائب، أشار تاج الدين الحسيني إلى أن "كل مفاوض ذكي لا يمكن أن يدخل حلقة المفاوضات إلا وهو في موقع التفاؤل، في حين أن التشاؤم قبل بداية المفاوضات يعتبر حكما سابقا على فشلها".
ووصف أستاذ العلوم السياسية المفاوضات بـ »العملية المرهقة والطويلة الأمد«، معتبرا أن طريقها شاق ومسافاتها بعيدة، كما أنها تتطلب جهدا استثنائيا في الإقتناع والإقناع المتبادل.
وزاد قوله إن التفاوض يتطلب أكثر من ذلك، خاصة على مستويات الترجيح في إطار توازن القوى، مبرزا أن الحوار لا يجري بين المغرب وبوليساريو بكيفية مباشرة فقط، لكنه يجري بحضور المبعوث الخاص للأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، الذي يقوم بعملية إدارة المفاوضات، كما تحضرها الجزائر وموريتانيا، إضافة إلى ما يسمى بأصدقاء الصحراء، وهم الولايات المتحدة، وفرنسا، وإسبانيا، وروسيا.
واعتبر الحسيني أن هذا الحضور المكثف لكل هذه الجهات من شأنه أن يمارس نوعا من الضغط للتوصل إلى الحل الوسط، موضحا أن "نتائج المفاوضات أحسن تعبير عن توازن القوى القائم بين الأطراف لحظة إجرائها".
وأبرز أنه ينبغي أن يلاحظ أن الولايات المتحدة، رغم أنها تتبنى الموقف المغربي على مستوى تأييد مقترح الحكم الذاتي، وأن الموقف نفسه تعبر عنه فرنسا وإسبانيا، فإن التعنت الجزائري يدفعنا إلى فتح قوسين والقول إن"نجاح هذه المفاوضات أو فشلها يبقى رهينا بالأساس بالموقف الذي سيعبر عنه الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة".
وأوضح أنه كيفما كانت الظروف، وكيفما كانت المفاوضات، فإن الرئيس بوتفليقة »يبقى من وراء الستار ليحدد مسار هذه المفاوضات«، مضيفا أنه إذا ظهرت اليوم رغبة حقيقية لدى الجزائر في تجاوز هفوات الماضي، وبناء المغرب العربي من منطلق الوحدة والتضامن والنظر بأمل إلى المستقبل، فإن المفاوضات ستكلل بالنجاح بكل تأكيد، لكن إذا ما استمرت الجزائر في تعنتها المعروف وتمسكها بأطروحة الاستفتاء والمنازعة في السيادة المغربية على الإقليم، فهذا معناه بدون شك أن مآل المفاوضات سيكون هو الفشل، وستتحمل الجزائر، مرة أخرى، وزر التطور السلبي، سواء أمام شعبها، أو أمام شعوب منطقة المغرب العربي، أو أمام التاريخ".
وأوضح الحسيني أن المغرب مستعد، في إطار المشروع، الذي اقترحه أن ينسى الماضي، بحكم أن المشروع يتضمن بعض التفاصيل، بما فيها إعلان العفو العام بالنسبة إلى كل فصائل البوليساريو، مع إمكانية إدماجهم في القوات المسلحة، وعودة كل اللاجئين الموجودين في تندوف، وبالتالي تعاضد الجميع بهدف بناء المنطقة وتنميتها خدمة لمصلحة الجميع، بمن فيهم قيادات »البوليساريو«، التي يمكنها في إطار المؤسسات الجديدة، سواء التنفيذية منها أو التشريعية أو القضائية، أن تجد المكان لممارسة السلطة بكل وجوهها.
وخلص الحسيني إلى القول إن هذا التطور سيساهم إيجابيا في اندماج منطقة المغرب العربي، واكتسابها مركز ثقل وقوة، في مواجهة الشركاء الرئيسيين، خاصة أوروبا، واعتبر أنه في حال الفشل، فسيبقى استمرار الحال على ما هو عليه، إذ سيستمر المغرب في بناء مشروعه التنموي، سواء تعلق الأمر بالصحراء أو باقي الأقاليم الشمالية، ولكن أكثر من هذا وذاك، فإن المغرب العربي سيعرف عرقلة جديدة نحو إمكانية بنائه، وستتحمل الجزائر بكل تأكيد وزر هذا التطور السلبي.