لحظة تاريخية لإنهاء نزاع مفتعل

الإثنين 18 يونيو 2007 - 09:12

تنطلق اليوم الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين المغرب والبوليساريو حول المشروع المغربي للحكم الذاتي في الصحراء، وسط أمل بأن يدرك تيار الانفصال قيمة، ودقة، هذه اللحظة التاريخية كمدخل لإيجاد تسوية سياسية لنزاع مفتعل أرهق شعوب المنطقة ورهن جهودها من أجل

أثبتت التجارب أن حركة سياسية عندما تخطئ الموعد مع التاريخ، فإنها بذلك تحكم على نفسها بالفشل التاريخي.

فبينما يواصل المغرب مسيرة الوحدة، من منطلق حماية سيادته الوطنية، وفي سياق مشروع الإصلاح والتحديث للدولة والمجتمع، استمرت قيادة البوليساريو في معانقة حلم الانفصال، الذي انتفت حتى المصوغات الإيديولوجية التي كانت تمنحه في الماضي بعض البريق الكاذب.

فبعد ثلاثين عاما من التيه أظهرت قيادة جبهة البوليساريو افتقادها مقومات الهوية كحركة تحرير، بل برهنت أيضا على افتقارها لمجرد الذكاء المفترض في حركة سياسية
وبعد الفترة نفسها من المناورة المغلفة بشعارات زائفة انكشفت الدولة الراعية للبوليسايو كطرف رئيسي في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

راكمت قيادة جبهة "بوليساريو" الأخطاء السياسية منذ تحولها من حركة معارضة داخلية في سياق الاحتقان السياسي بمغرب أوائل السبعينات من القرن الماضي، وسقوطها في فخ الانفصال ونزعة الهيمنة، فأصبحت أداة في الرهان الخاسر على إضعاف المغرب سياسيا واقتصاديا وجغرافيا للانفراد بزعامة المنطقة.

ثم توجت قيادة "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب" ( بوليساريو اختصارا باللغة الإسبانية) الأخطاء بخطيئة تضييع فرصة اللقاء مع التاريخ برفض العودة إلى أرض الوطن، كمعارضة سابقة، في إطار حل سياسي يضمن للأقاليم الصحراوية خصوصيتها في إطار الوحدة الوطنية، وفي السياق العام للمشروع الديموقراطي والتنموي في عموم البلاد، وفي أفق مغاربي كفيل بتفعيل روح معاهدة مراكش لعام 1989، يفتح المنطقة على عهد جديد من التعاون والثقة المتبادلة في تفاعل مع التكتلات الاقتصادية الكبرى في العالم .

ولم تعد وحدة المصير المغاربي في حاجة إلى إثبات، فقد أظهر الاحتلال الفرنسي للجزائر، بداية من عام 1830، قوة الروابط المعنوية والمادية بين الشعبين في المغربين الأوسط والأقصى، حيث وجه سكان منطقة تلمسان البيعة لسلطان المغرب، ودعم المغاربة حركة الأمير عبد القادر في مواجهة الاحتلال بما جر عليهم هزيمة عسكرية بشروط سياسية قاسية في معركة إيسلي عام 1844 .

كما تجلت روابط المصير المشترك في دعم المغرب للثورة الجزائرية في منتصف القرن الماضي وتبلور المشروع المغاربي في صورته الحديثة منذ تلك المرحلة في قضية الصحراء حدد المغرب منذ البداية خيارا سلميا لاسترجاع أقاليمه الجنوبية واستكمال وحدته الترابية، تجسد في المسيرة الخضراء، في الوقت الذي سعت الدولة الراعية لـ »جمهورية تندوف«، ومنذ تأكدها من جدية المسألة بالنسبة إلى المغاربة، إلى تدارك الموقف بواسطة القوة العسكرية، كما ثبت في معركة امغالة، قبل أن تجعل من معاكسة الحق المغربي قضية محورية في سياستها الخارجية، فسخرت كل طاقاتها الدبلوماسية وعائدات النفط للترويج لأطروحة "تقرير المصير للشعب الصحراوي" وصنعت جمهورية وهمية لتسويق تلك الأطروحة.

إلا أن أطروحة الانفصال، ومنذ ثلاثة عقود، وضعت نفسها خارج منطق التاريخ، وانزلق مخطط قام أصلا على معاكسة المغرب والسعي إلى إضعافه، وهذا ما يفسر استمرار النزاع المفتعل في المنطقة وما ترتب عنه من ممارسات كانت وراء تعطيل انطلاق المشروع المغاربي.

وصلت الأطروحة نفسها إلى قدم الجدار وإلى الطريق المسدود بعد أن كسب المغرب المعركة عسكريا في الميدان، وانفضحت سياسيا أمام الرغبة المعلنة للمغرب في السلام من خلال حل سياسي ينهي النزاع المفتعل أصلا دون المس بوحدته الترابية وبسيادته على أقاليمه الصحراوية.

ورغم كل ذلك ترك المغرب دائما الباب مفتوحا أمام الجارة الشرقية من أجل إيجاد تسوية نهائية لنزاع فرض عليه، بما في ذلك منح منفذ على المحيط الأطلسي لتسهيل تصدير النفط والغاز.

وحرصا منه على عدم شتم الماضي ورهن المستقبل، تحمل المغرب الضربات ورد عليها في حدود الحد الأدنى من حق الدفاع المشروع مع تفادي الانسياق في اتجاه تصعيد عسكري وحرب مفتوحة.

على هذه الخلفية السياسية والتاريخية، ومن المنطلق القائم نفسه على التمسك بالحق والقانون، مع اعتماد أكبر قدر ممكن من المرونة، يحرص المغرب الآن، وهو يخوض مسيرة الوحدة والديموقراطية والتنمية والمصالحة، على منح الخصوم فرصة تاريخية لتصفية النزاع، من خلال الحل السياسي، بعيدا عن منطق الغالب والمغلوب، بما يفتح آفاق جديدة للتعاون والتكامل الاقتصادي، ضمن سياسة حسن الجوار وتنمية المصالح المشتركة.




تابعونا على فيسبوك