قدر الحسيمة أن تشتهر في العالم فقط بكوارثها الطبيعية. في حين أن عاصمة الريف, الواقعة فوق منطقة زلزالية, تزخر بمناظر طبيعية خلابة وشواطئ متوسطية رائعة.
ضربها الزلزال أكثر من مرة. وفي العام 2004 كانت الحصيلة مأساوية: قرابة 600 قتيل وآلاف الجرحى, فضلا عن بنايات لا تحصى دمرتها لعنة ريشتر في أقسى درجاته.
مثل هذه المعلومات "الحزينة" كثيرة على مواقع الإنترنيت, لكن البحث عن الوجه المشرق والجميل للمدينة, يلزمك وقتا طويلا وصبرا كبيرا. فالمواقع التاريخية العريقة، التي يزيد عددها على 50 موقعا، وكذا المنتزهات الطبيعية والشاطئية, المنتشرة على طول سواحل المدينة, قليلة على الشبكة العنكبوتية، وقيمتها لا تُوظف بالشكل المطلوب لدعم وتطوير السياحة المندمجة، التي تراهن عليها سلطات المنطقة.
في المدينة، يوجد منتزه إيكولوجي يشبهه الأجانب بـ "الجنة", بينما أغلب المغاربة لا يعرفون عنه شيئا. والأرقام تشهد على ذلك. فخلال سنتين زار المنتزه الوطني للحسيمة 210 سائحا، جلهم إسبان، والباقي فرنسيون, بحسب إحصائيات لجمعية الريف للتنمية السياحة القروية. العدد يبقى في كل الأحوال بسيطا، والسبب غياب وسائل التعريف والإشهار لجلب الزوار إلى هذه المعالم الطبيعية.
أُنشئ منتزه الحسيمة سنة 2004، ويمتد على مساحة 48.460 هكتارا. يقع بمنطقة الريف الوسطى، ويتعانق فيه البحر والجبل والوادي في صورة تكاد تكون فريدة في العالم. إذ يحده من الشمال البحر الأبيض المتوسط، ومن الغرب هضبة مستاصة، ومن الجنوب واد غيس. تتعايش في المنتزه أنواع كثيرة من الحيوانات والطيور النادرة، وتشرف على تسييره مندوبية المياه والغابات بتنسيق مع الجمعية الإسبانية "إم بي دي إل"، التي جلبت إلى المنطقة أموالا تقدر بنحو 800 ألف أورو لإنجاز طريق وسط المنتزه بطول 50 كلم.
رغم قيمته الجمالية والاقتصادية، باعتباره إرثا طبيعيا وإيكولوجيا, فإن المنتزه الوطني للحسيمة لم يحظ بالتعريف المناسب على مستوى الإعلام الوطني. وقال مسؤول إعلامي من جمعية الريف للتنمية السياحية إن "أقصى ما كُتب عن المنتزه مقالان صدرا في مجلتين إسبانيتين (كيرسوس) و(توريسمو غوغال)".
من مميزات المنتزه السالف الذكر أنه يتوفر على نطاق بحري يحتضن أهم صنف من طيور عقاب البحر في المتوسطي, فضلا عن أصناف حيوانية ونباتية نادرة محمية بموجب اتفاقيات دولية.
كما يعتبر المنتزه فريدا من نوعه في المغرب لأنه يضم كائنات بحرية مثيرة مثل الدلافين والسلاحف. علاوة على مشاهد خلابة في أعماق البحر تتشكل أساسا من أجراف بحرية عمودية، ومغارات بها أنواع كثيرة من الطحالب والكائنات اللافقرية.
كل هذه المشاهد الجميلة والمناظر الأخاذة يمكن للزائر التمتع بها طيلة اليوم، وقضاء ليلة كاملة بين أحضان الطبيعة وهدير الأمواج المتوسطية, مقابل 200 إلى 300 درهم فقط. فالمنتزه يتوفر على وحدات سكنية للاستقبال يشرف عليها سكان المنطقة أنفسهم ارتباطا بالتنمية البشرية، التي تدعو إليها السياحة التضامنية والمسؤولة.
يقطن بالمنتزه حوالي 13 ألف نسمة. يعيش أغلبهم على مداخيل هزيلة لسياحة تنمو ببطء في غياب البنيات التحتية اللازمة, مثل الطريق السيار وخط السكك الحديدية، وخصوصا الدعاية الكافية للترويج لهذا الفردوس الهادئ، الذي غالبا لا ينتبه إليه المغاربة، وهم يتجهون نحو ميناء الحسيمة، من أجل العبور نحو صخب وضجيج أوروبا.