تربط مدينة فاس من خلال لقاءاتها التي تضع الجنسية والمعتقدات جانبا، ليستمع مواطنو دولة الإبداع إلى صوت العقل، ولكي لا يعلو صوت فوق الحكمة والعقل.
كل المبدعين في لقاءات فاس يتطلعون إلى طرح ما يؤرقهم من أسئلة وأفكار بهدف البحث ليس عن حلول للمشاكل التي هي وليدة السعي إلى التحكم في العالم وتنميطه ليصبح طحنه يسيرا، بل إن لدولة الإبداع في فاس هدفا واحدا هو إعادة العالم الذي نقول عنه أكثر من مرة إنه فقد عقله، إلى رشده .
وهذا لا يمكن في الواقع أن يحدث إلا في بلد اسمه المغرب، بلد يحترم تقاليده ودينه وغايته نشر ثقافة التسامح واعتناق الحداثة والديمقراطية.
ولما كان من الضروري البحث عن وسيلة توحد الناس أكثر، كان من الطبيعي امتطاء صهوة الموسيقى، التي قال عنها الأميركي مايكل بيري إنها"توحي بما يوحد وتتجاوز الفارق الديني والعقائدي".
ومايكل هذا باحث متخصص في حضارات إيران، كما عمل ملاحظا بأفغانستان لمصلحة الجمعية الدولية لحقوق الإنسان.
وربما، دون أن يقصد، كان مايكل وهو يتحدث يعبر عن الغاية من لقاءات فاس، فهي في الواقع ملح مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، لأنها تجتذب إليها أناس مختلفي اللغة والديانة ويشعر كل فرد أن ما يقال يعبر عما بداخله أو حتى في حال الاختلاف معه يحترم ما لديه من قناعات، فتلك الجلسات تجسد ما أكدته الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في اللقاءات، والتي أكدت أهمية »النزوع إلى التعايش والتآلف، والتمازج بين المجتمعات الإنسانية".
وجعل "قيم أدياننا وثقافاتنا، منظومة متناسقة، تؤلف بين خصوصياتنا وعالميتنا، في آن واحد".
وكما أسلفنا فإن المغرب باعتباره أرض التسامح والسلم الاجتماعي هو المكان الأنسب لاحتضان اللقاءات التي نحن بصدد الحديث عنها كما جاء في الرسالة الملكية »لقد ظل المغرب على امتداد العصور، بفضل تمسكه بالإسلام الوسطي المعتدل، الموحد بين منطق العقل ونور الإيمان، ملتقى للحضارات والثقافات.
إذ كان ينتقي منها ما يلائم شخصيته، ويتناسب مع الحضارات المتوسطية والإفريقية المجاورة.
فأبدع ثقافة يمتزج فيها العقل والدين، المادي والروحاني، المقدس والحديث
وبذلكم جسد المغاربة نموذجاً حضاريا، يجمع بين الأصالة والانفتاح، واعتماد العلم والحكمة والتجريب في حياتهم.
فقدسـوا العلم والعلماء، وأنشأوا المدارس ومعاهد العلم، على مر الأزمان
ومنذ القرن السابع الهجري (الثاني عشر الميلادي)، أصبحت جامعة القرويين بفاس، أول جامعة في الغرب الإسلامي.
فغدت مناراً يشع بالعلـوم، وتبادل ثمرات العقول بين الشرق والغرب وهوت إليها أفئدة وعقول النابهين.
فوفد عليها طلاب، من مختلف الأجناس والأديان، لينهلوا من المعارف الكونية، التي كانت تنفتح عليها.
ويذكر التاريخ أن البابا سلفستر الثاني، جيربير دورياك، شهد حلقات الدرس فيها
كما نهل من معارفها الإسلامية أيضا، الفيلسوف اليهودي الشهير موسى بن ميمون، حيث أقام بفاس وألف بها أشهر كتبه، مستفيداً من المركز العلمي للثقافة التلمودية، الذي كان يعد الأشهر من نوعه في الغرب الإسلامي.فضلا عن ابن خلدون، الذي كان من فطاحل أعلامها.
"لاغرو أنه في حال غاب التسامح والتعصب للرأي ما كنا لنجد أميركيا إلى جانب أفغاني ويتحدثان عن شاه مسعود أو تركيا يشاطر فرنسيا الرأي ويضعان الاختلاف حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي جانبا".
إن اللقاءات تتحول إلى حلقات يتحقق فيها الصفاء بين أبناء العصر فنكون بصدد أبناء زمان وكأنهم أبناء أب واحد، وهذا نتيجة حتمية لاحترام الهوية الثقافية وهو سلوك قال عنه بيري إنه "قوة أكبر من الحرب والكراهية".
وكان الحديث عن الخوف حاضرا بكل ثقله، فالخوف وكل الخوف من العولمة التي تعددت الإشارات إلى كونها محاولة جادة لتنميط العالم، عالمنا هذا الذي قالت عنه الرسالة الملكية "في عالم يعاني من اهتزاز المرجعيات، بل وفقدانها، وتتعرض فيه القيم الدينية والإنسانية، للتبخيس والتحريف، بفعل نزوعات التعصب والتطرف، والعنف والإرهاب، والترويج للأفكار المغالطة، عن صدام الحضارات، فإن جميع القوى الدولية والفعاليات، الفكرية والفنية والإعلامية المتنورة، مسؤولة عن التصدي للمخاطر التي تهدد السلم والأمن والاستقرار الجهوي والعالمي. ولن يتأتى ذلك، إلا باعتماد استراتيجيات، وطنية وجهوية ودولية متناسقة استراتيجيات تتجاوز الطروحات النمطية والأحادية، التي أفرزتها العولمة الشرسة والكاسحة، مع الالتزام باحترام التعدد الثقافي، والحق في الاختلاف، ومراعاة الخصوصيات والثوابت الوطنية وذلك في تشبث بالقيم الكونية السامية، التي تدعو إليها كل التعاليم السماوية السمحة، والحضارات الإنسانية، من حرية ومساواة وإخاء، وعدل وتضامن وسلام، وتسامح وتعايش ووئام، ونهج للديموقراطية الحقة، التي نحن بها ملتزمون".
ومجابهة العولمة لم تكن معارضة من أجل المعارضة بل كانت تعبيرا عن مخاوف، واستحضارا لمخاطرها هي الآلة التي تطحن كل شيء لكن استعصى عليها أن تطحن ما بداخل الرؤوس من أفكار تقدر الإنسان وتفكيره وهويته الثقافية.
(غدا : الفكر الإنساني في دولة الإبداع في مواجهة أحادية العالم)