دولة الإبداع في فاس تصنع حكمة الألفية الثالثة

الثلاثاء 05 يونيو 2007 - 23:13

اختتمت أمس الاثنين لقاءات فاس، التي أقيمت على امتداد ثلاثة أيام في متحف البطحاء
وتدخل هذه اللقاءات في إطار الدورة الثالثة عشرة لمهرجان فاس للموسيقى الروحية بموضوع"معتقداتنا وعقلنا في محك العالم".

فعلى امتداد ثلاثة أيام، وانطلاقا من صباح السبت الماضي التأم »مواطنو دولة الإبداع« ليتناقشوا ويدلون بدلوهم في مواضيع تستأثر بالاهتمام، كانت البداية السبت بموضوع"هوياتنا الثقافية في مواجهة أحادية العالم" وتواصل اللقاء والحوار بموضوع "مدننا التراثية، أهي انعكاس للعالم القديم أم منبع الخيال للمستقبل؟ "في المكان الذي يفوح بعبق التاريخ ويشهد على الأصالة المغربية جادت الطبيعة بسخاء، فالشمس دافئة أو أكثر، والعصافير تجود بأعذب الألحان، والحضور نخبة من المثقفين والمفكرين تجمع بينهم أشياء كثيرة، لكن تفرق بينهم المسافات، فأبت فاس إلا أن تكون نقطة لقاء لتتحول، وكما هي عادتها إلى دولة للإبداع دولة تلغي كل الحواجز.

وكما أشرنا في العام الماضي يبدو من هم في داخل متحف البطحاء في تلك الصباحات الجميلة، وكأنهم أحرقوا بطائق هوياتهم وقرروا إنشاء دولتهم الخاصة دولة يحترم فيها كل فرد أفكار الآخر ومعتقداته، ويصغي إليه وكأنما هو على دينه.

وتميزت دورة هاته السنة بتوجيه رسالة ملكية ساميه ألقاها محمد معتصم مستشار جلالة الملك، وأشادت الرسالة بنبل الأهداف، التي تجمع المشاركين، »في سياق الحوار، المتجدد والموصول، حول تعايش الثقافات، وحوار الحضارات، وتآخي الأديان السماوية وإشاعة القيم الروحية، التي نتقاسمها، على السواء.

وغير خاف عليكم، أن رمزية المكان، الذي تلتقون فيه، وعبق التاريخ العريق، الذي ينشر شذاه، في رحاب مدينة فاس، وهي تستعد للاحتفال، بذكرى مرور اثني عشر قرنا على تأسيسها، تضفي على ملتقاكم طابعاً فريداً، لما تمثله من تمازج بين المقدس والحديث، في لوحة متناغمة الألوان، وسمفونية متناسقة الألحان، من أجل السلام والوئام
هذه العاصمة الروحية للمغرب، التي قيل فيها بحق "إن العلم ينبع من صدور أهلها، كما ينبع الماء من عيونها".

لذلكم، لم يكن احتضان هذه المدينة، الأثيرة لدى جلالتنا، لمهرجانات الموسيقى العالمية الروحية مجرد مصادفة.

فالموسيقى كانت وما تزال، لا تسمو بأنغامها، إلا في الفضاء الذي يتاح فيه للإنسان، أن يتجرد من ماديته، بأجنحة الإيمان، وعشق المطلق، ليعيش أعمق خصوصياته، التي حباه الله بها، وهي روحانيته.

كما أنها تعد أبلغ لغة للتعبير عنها، وأقدرها على توحيد بني الإنسان.

فالموسيقى تخاطب في الإنسان روحه ووجدانه وإحساسه، لأنها مشتقة من طبيعته القائمة على التناسق والتناسب، كما قال الحكماء".

وشكلت, مضامين الرسالة الملكية منطلقا لتدخلات بعض المشاركين في لقاءات فاس واستندوا إليها لتعزيز أقوالهم لأنها عبرت بصدق عن انشغالات رجل الألفية الثالثة، هذه الانشغالات التي باتت تؤرق القاصي والداني.

وأوضحت الرسالة الملكية أن(الموسيقى الروحية خير تعبير عن "المقدس")، الذي ما فتئ يوحد مشاعر الإنسان، ولاسيما حين يسمو به عن نزوعات التعصب والانغلاق، ويتعالى به عن أسباب النفور والشقاق.

وهي نفس المقاصد، التي تقوم عليها الحداثة في قيمها الكونية، والتي لا تسعى إلا لتحقيق الانسجام والوفاق، عن طريق الاسترشاد بالعقل، وإشاعة الحرية والعدل، وتكريم الإنسان.

فكما أن الحرية، واحدة في معناها، والعدالة واحدة في مبناها، فكذلك يجب أن تكون الحداثة، واحدة في آلياتها وأهدافها، وفرصة لتجاوز التفاوت والتمييز بين البشر، حيثما كانوا.

وهنا تلتقي الحداثة بالمقدس فالمقدس حداثة عريقة، والحداثة مقدس معاصر
والحداثة بدون مقدس قد تصير المقدس الأوحد عديم الروح.

وفي الحداثة والمقدس يصغي فيها العقل، لصوت السماء.

وقد أكد فلاسفة الإسلام، أن الدين حق، والفلسفة حق، والحق لا يعارض الحق
كما مجد القرآن الحكمة التي هي لب الفلسفة .

فقال تعالى : "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا".

وليست الحكمة إلا منطق العقل، والانفتاح على الإيمان، ونبذ كل ما يتعارض مع تحكيم العقل" .

فالإسلام دين العقل والحكمة وقد حفل القرآن الكريم بمخاطبة العقل والتنويه به، وبالبراهين الاستدلالية على حقائق الكون، والتوجه لذوي العقول والألباب، مصداقا لقوله تعالى "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب"، وقوله عز وجل "وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون"صدق الله العظيم.

ومن هذا المنطلق، فإن التمسك بالمقدس لا يعني الانغلاق أو التحجر، مثلما أن الأخذ بالحداثة لا يعني الاستلاب أو الاغتراب.

وبالنظر للعلاقة، التي ينبغي أن تربط بين المقدس والحداثة، فإن المقدس بـدون تفاعله مع الحداثة، يبقى كالجسد المحنط.

كما أن الحداثة بدون قيامها على المقدس تظل عديمة الروح مما يجعل منهما مفهومين متكاملين، غير متناقضين.

وذلكم جوهر هذا الملتقى، الذي يحمل رسالة أمل وتعقل وإخاء للإنسانية جمعاء«
وكانت الرسالة الملكية خير معبر عن العصر.

فهي رد توريعي على من عادوا الفلسفة ومنعوا تدريسها تنفيذا لدعاء تردد كثيرا "اللهم إنا نعود بك من كل علم أوله فل وآخره سفه".

وهي معداة كبيرة للفلسفة لإننا في جمعنا الشطرين الأول والثاني نجد أن المعني هو الفلسفة.

وأكدت أن الاهتمام بالمأثور والمتوارث ليس تخلفا، كما أن النهل من ينابيع الحداثة ليس استلابا.

والجمع بين القديم والحديث واحترام الأشخاص وتقديرهم هي الغاية التي جعلت مفكرين ومثقفين من مختلف أنحاء العالم يؤجلون كل شيء إلى موعد لاحق حاملين شعار "كل شيء من أجل لقاءات فاس يهون".

فاس وكل الناس في فاس وإن لم يحضر كل الناس، فإن من حضروا نابوا عنهم في التعبير عن انشغالهم وطرح أفكار تتجاوب مع ما في دواخلهم، في محاولة جادة لإعادة بناء الفكر الإنساني.

غدا (دولة الإبداع في فاس تحاول إعادة العالم إلى رشده).




تابعونا على فيسبوك