عثرت بعثة مغربية فرنسية، نهاية الأسبوع الماضي، لدى قيامها بحفريات في عدة مواقع أثرية بالدار البيضاء، على أدوات حجرية نحتها الإنسان، وهي عبارة عن فؤوس بالأحجار، وشظايا، وأدوات ذات وجهين، وعدة عظام لحيوانات كانت تعيش في المنطقة تعود إلى مليون سنة، بالإضافة
ويتعلق الأمر بمواصلة حفريات في مواقع "طوما واحد"، و"أولاد حميدة واحد"، و"سيدي عبد الرحمان"، و"أهل الغلام" التي صنفت ضمن المواقع، التي تعود إلى عهود ما قبل التاريخ، إضافة إلى مواصلة العمل بهدف اكتشاف مواقع جديدة، وكذا تعميق الدراسة بخصوص ما اكتشف سابقا في الدار البيضاء.
وقالت فاطمة الزهراء الصبيحي العلوي، مديرة البحث الأثري للدار البيضاء وأستاذة بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، التي ترأس البعثة من الجانب المغربي، إلى جانب جون بول رينان أستاذ بجامعة بوردو، في اتصال هاتفي لـ "المغربية"، إن موقع طوما واحد"ينقسم إلى مستويين أثريين، الأول اكتشف به بقايا أدوات حجرية تعود إلى الحضارة الآشورية، وبقايا حيوانية تعود إلى حوالي مليون سنة، مثل فرس النهر والفيل، والغزال، وغيرها من الحيوانات التي تعيش الآن في مناطق ككينيا وإثيوبيا وغيرها، أما الثاني فاكتشفت به بقايا إنسان وحيوانات من عظام وأفكاك تعود إلى 600 ألف سنة.
وبخصوص الحفريات التي تنجزها البعثة المغربية والفرنسية حاليا في موقعي »سيدي عبد الرحمان«، و»أهل الغلام« أوضحت الباحثة أن الأمر يتعلق بدراسات جيولوجية وباليونطلوجية لتأكيد بعض التواريخ ومحتويات بعض المواقع في الدار البيضاء.
وقالت فاطمة الزهراء الصبيحي، »إن الحفريات الأخيرة داخل هذه المواقع بمنطقة سيدي عبد الرحمان وأولاد حميدة، تؤكد تنوع الأدوات الآشورية، وتحديد إطارها الأركيولوجي، مشيرة إلى أن برنامج البحث الأثري في الدار البيضاء، سيفتح آفاقا واسعة ونادرة للمساهمة في إيجاد أجوبة عن التساؤلات الرئيسية التي تهم الحقب الإفريقية لما قبل التاريخ، وكذا الشعوب الأوروبية الأولى.
ويتميز برنامج هذه الأبحاث، تضيف رئيسة البعثة، علاوة على اهتمامها بمراجعة المواقع الكلاسيكية أي الجيولوجية المعروفة، بمباشرة أعمال واكتشافات جديدة، وهذه الاكتشافات تمخضت عن التطور العمراني السريع، لهذه المنطقة الساحلية، مع الحرص على ضرورة استغلال وإنقاذ هذا التراث المنفرد.
وأضافت الصبيحي أن سلسلة الدار البيضاء الأثرية تعتبر حاليا من أقدم ما نشر سابقا، إذ تضم مواقع غنية ومؤرخة ساعدت على تسجيل تطور البيئة الطبيعية والبيولوجية، أي ما يقرب من ستة الملايين سنة، وهذه الفترة تتزامن مع الحقبة، التي شهدت ظهور ما نسميه بـ"الاسترالوتيتك" أي تطور الإنسان الأول بإفريقيا الشرقية.
يشار إلى أن برنامج المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث يدخل في نطاق الأبحاث الأثرية المبرمجة في الدار البيضاء، في إطار تعاون مغربي فرنسي، انطلق منذ سنة 1978 ، ويشرف على هذه الدراسات الميدانية فريق متكون من عدة باحثين مغاربة وفرنسيين من عدة اختصاصات أي جيولوجيين وبيولنتولوجيين، وفيزيائيين.
وأضافت الصبيحي أن عمليات الاكتشافات التي كانت سنة 1993 في موقع »طوما«، و»أولاد حميدة واحد« أدت إلى الوقوف على أهمية المستوى الأركيولوجي (الأثري)، الذي ينتشر على مساحة كبيرة بهذا الموقع الذي جرى تأريخه أكثر من مليون سنة، إذ عثر كذلك على بقايا إنسانية تعتبر بما يسمى بـ"الإنسان القائم" (أومو إيريكتوس)، الذي كان يستعمل هذه الأدوات الحجرية، وقد عثر عليها في مغارة مقلع طوما واحد وطوما 2، مشيرة إلى أنه خلال سنتي 1994و1995 جرى العثور على ثلاث بقايا إنسانية جديدة في المغارة نفسها.
وأضافت، أن هذه البعثة تنظم إلى غاية 16 يونيو الجاري بمبادرة من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث وبشراكة مع البعثة الأثرية الفرنسية.
وأفادت الصبيحي أن هذه الاكتشافات أعطت نظرة عن مدينة الدار البيضاء التي كانت تعتبر بدون تاريخ، وأبانت أن جذورها ترجع إلى ملايين السنين.
واستطردت قائلة "إننا سنقوم ببرنامج لتفعيل ولإعطاء إطار لمعرفة هذه الآثارات، من خلال إنشاء منتزه آثري في المنطقة يبين الاكتشافات الجديدة"، ودعت الباحثة إلى رد الاعتبار للشق الأثري بالدار البيضاء التي احتضنت أقدم استقرار بشري بالمغرب من خلال مواصلة هذه الحفريات، وإقامة متحف لها بموقعي سيدي عبد الرحمان وطوما، لتمكين المغاربة من اكتشاف هذه الآثار ودعم التنمية السياحية بالعاصمة الاقتصادية.
وحسب الفحوصات التي أجريت على عظام الإنسان المكتشف، فإن تاريخ وجود أول إنسان في المغرب كان في الأطلس المتوسط، ويرجع إلى 700 سنة، يليه الإنسان المكتشف في الدار البيضاء، والذي توضح الدراسات أنه يعود إلى 600 سنة.