المغربية تزور مقر منظمة حلف شمال الأطلسي ببروكسيل

سياسة تواصلية جديدة لتصحيح صورة الناتو

الخميس 31 ماي 2007 - 21:45
صحافيون مغاربة في مقر الناتو (خاص)

تحولت منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في السنين الأخيرة، من منظمة منغلقة على نفسها، لا تفتح ذراعيها سوى لأعضائها، ولا يخترق أسوارها وأسرارها سوى فئة محدودة من العاملين بها والمقربين منها.

إلى هيئة اختارت أن تكشف عن نفسها، وتتحرر شيئا فشيئا من "عقدة التواصل"، التي عانت منها خلال الحرب الباردة، في قمة الصراع "البارد"، الذي كان سائدا بين القوتين الأميركية والسوفياتية.

فبعد سقوط جدار برلين، الذي كان بمثابة إعلان رسمي على انتهاء الحرب الباردة، بدأ الناتو في تغيير استراتيجيته التواصلية باعتماد سياسة تتأسس على الانفتاح على المحيط الخارجي وعلى الإعلام بصفة خاصة، وهو ما يؤكده المسؤولون داخل الحلف
وتندرج هذه الاستراتيجية التواصلية الجديدة في سياق إرادة الناتو على تصحيح الصورة المضببة وغير المناسبة التي طغت على المنظمة، والتي كان العديد من الناس يعتبرونها منظمة عسكرية صرفة، تُهيمن عليها وتتحكم في قراراتها وتوجهها حسب مصالحها الولايات المتحدة الأميركية.

بدأت المنظمة، في الفترة الأخيرة، تستقبل وفودا من الإعلاميين والبرلمانيين والباحثين من مختلف دول العالم، وخاصة الدول الأعضاء في المنظمة أو التي تربطها بالمنظمة علاقات تعاون، في مقرها الرئيسي ببروكسيل.

وجاء الدور، أخيرا، على وفد من الإعلاميين المغاربة الذين يُمثلون بالخصوص الصحافة المكتوبة لتستقبلهم المنظمة في مقرها الرئيسي.

ويقع مبنى الحلف، الذي يؤوي اجتماعات الناتو وتُتخذ فيها القرارات، غير بعيد عن مركز العاصمة البلجيكية، ويخضع الراغبون في ولوجها إلى إجراءات تفتيش صارمة.

البناية، من الداخل، تُشكل عالما قائما بذاته، فهي تضم، إلى جانب القاعات المخصصة للاجتماعات، كل المرافق الضرورية للحياة اليومية : قاعة أكل، مكتبة، مصبنة، محل لبيع الكتب، قاعة مخصصة لإصدارات الناتو، محل للحلاقة.

مرافق متعددة وُضعت رهن إشارة بضعة آلاف من العاملين بالمقر وكذا الزوار.

هناك حركية متواصلة يعرفها الحلف وذلك من أجل مواكبة المستجدات والتحولات التي يشهدها العالم منذ سقوط جدار برلين.

ويكشف المسؤولون في الحلف بحماس عن انخراطهم في مسار الانفتاح الذي اختاره الناتو، وقال السفير، أليساندرو مينوتو ريتزو، نائب الأمين العام للمنظمة "إن المنظمة بدأت تُغير نهجها في مجال التواصل، مضيفا أثناء حديثه للصحافة الوطنية بمقر الناتو، أن الصورة التي يكونها العديد من الأشخاص، وخاصة في العالم العربي والإسلامي عن الناتو هي"صورة غير مناسبة".

وأوضح أن الحلف يوجد في مسار »التغيير« وأنه بصدد تجاوز"عقدة التواصل" التي لازمته لفترة طويلة.

ونوه نائب الأمين العام للمنظمة بالتعاون القائم بين الحلف وبين المغرب.

وأكد في هذا الصدد أن المغرب أبدى منذ 1994، تاريخ التحاقه بالحوار المتوسطي، استعدادا للتعاون مع الحلف، مبرزا القدرات والمؤهلات التي يتوفر عليها المغرب، وخبرته في مجال التكوين العسكري وفي مجال المهام الإنسانية، وهو ما أثبته المغرب من خلال مشاركته ضمن قوات حفظ السلام في البوسنة والهرسك، ومن خلال مشاركته في القوات العاملة في كوسوفو.

كما أشار إلى اجتماع الناتو الذي احتضنته الرباط في 2005، الأول من نوعه خارج الدول الأعضاء في المنظمة، مما يعكس التعاون الوطيد القائم بين الطرفين وأبرز أن المحادثات متواصلة بشأن التحضير لمشروع إحداث مركز للإعلام والتوثيق الذي أعلن عنه في اجتماع الرباط .

وقال أليساندرو مينوتو ريتزو، إن العديد من الناس كانت لهم فكرة راسخة عن المنظمة كونها منظمة يغلب عليها الطابع العسكري الصرف، وهذا تصور غير مناسب، إذ يشكل البعد السياسي جانبا مهما من عمل الحلف، إلى جانب البعد العسكري.

وذكر أن الناتو أصبح له اهتماما متزايد في مجال ترسيخ الأمن والاستقرار في العالم، وخاصة في المناطق التي تشكل بؤر التوتر كأفغانستان، إضافة إلى المهام المتعلقة بالوقاية من الإرهاب، وهو ما يفسر قيام الناتو بدوريات بحرية لردع الإرهاب في البحر المتوسط، وإشرافه على دورات تكوينية وتدريبية في العراق.

وأكد أن أنشطة المنظمة انصبت، منذ سقوط جدار برلين، بالخصوص على المساهمة في إرساء السلم، مشيرا إلى الأدوار التي اضطلع بها الناتو في هذا المجال في البوسنة وحاليا في أفغانستان، وبشكل محدود في دارفور.

وأضاف أن المنظمة بدأت في ربط أواصر التعاون مع دول المغرب العربي وخاصة المغرب، ودول الشرق الأوسط، في إطار استراتيجية تروم توسيع مجال التعاون مع هذه البلدان، مبرزا أن الناتو ينشط في مجال الدفاع والأمن وتقديم المساعدات الإنسانية المستعجلة واللوجستيك، وموضحا أن المبدأ الذي تعمل به المنظمة هو التوافق.

وبقدر ما أكد المسؤول أن الناتو له استعداد دائم للتدخل من أجل المساهمة في استتباب السلم والأمن في مناطق الأزمات، أقر، في الوقت نفسه، أن المنظمة لا يمكن لها أن تتدخل في كل القضايا والأزمات، كأزمة الشرق الأوسط التي فضلت المنظمة أخذ مسافة منها، وكذا المشكل المرتبط بتطوير إيران لقدراتها النووية.

وتولي منظمة حلف شمال الأطلسي، بحسب إفادات مسؤولين بها لـ "المغربية"، اهتماما متزايدا للحوار المتوسطي، وأبدت، بعد الحرب الباردة، رغبتها في التعاون ليس فقط مع أعضائها في المعسكر الغربي سابقا، بل حتى مع"أعدائها" السابقين في المعسكر الشرقي، فحصل التحول من المواجهة إلى التعاون.

وشرع الحلف في إقامة الشراكة والتعاون مع العديد من البلدان الديمقراطية، في القارة الأوروبية من القوقاز إلى آسيا الوسطى.

ويعمل الناتو بشكل متزايد على تشجيع التعاون مع روسيا وأوكرانيا وبلدان خارج الناتو، لمواجهة التحديات الأمنية الجديدة المطروحة على الساحة الدولية حاليا، والمساهمة في تعزيز فرص السلم والاستقرار .

وأصبحت المنظمة تتعاون مع دول البحر الأبيض المتوسط للمساهمة في الاستقرار والسلم في المنطقة من خلال الحوار السياسي الذي ابتدأ في 1994 في بروكسيل
لا تفرض المنظمة أي قرارات على الدول، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتعمل على قاعدة التشاور والتوافق.

يضم الحلف في عضويته 26 بلدا، قبل أن يقرر بعد عشر سنوات من انطلاق الحوار في 1994، بين الناتو وبلدان البحر الأبيض المتوسط، دعوة البلدان المشاركة في الحوار لإقامة علاقات شراكة أمتن وأوسع.

وانخرطت سبع دول من شمال غرب إفريقيا والشرق الأوسط في هذا المسلسل، ويتعلق الأمر ببلدان المغرب والجزائر ومصر وإسرائيل والأردن وموريتانيا وتونس.

ويروم الحوار المساهمة في أمن واستقرار المنطقة وتشجيع حسن العلاقات والصداقة بين بلدانها.

ويرى حلف الناتو أن هناك عددا من الأسباب لتعزيز سبل الحوار والتعاون بين الدول الأعضاء في المنظمة وهذه البلدان، من ضمنها التحديات الأمنية الجديدة التي تعتبر مشتركة بين هذه الدول، والمتمثلة بالخصوص في تصاعد الخطر الإرهابي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والجريمة المنظمة.

وشكل الحوار المتوسطي، الذي أصبح من ضمن أولويات الناتو، منطلقا لتعزيز التعاون مع الدول المتوسطية، ففي قمة واشنطن عام 1999، اتخذت خطوات لتمتين التعاون في المجال العسكري على الخصوص، وفي السنوات التالية اشتد تركيز الحلف على الحوار المتوسطي، وأدى ذلك إلى تبني إجراءات في قمة براغ في 2002 لتوسيع الأبعاد السياسية والعملية للحوار .

وتضمنت هذه الإجراءات مشاورات أكثر انتظاما وفعالية.

وبناء على هذه المشاورات وبعد التشاور مع بلدان الحوار، جرى في قمة اسطنبول في يونيو 2004 اتخاذ قرار بوضع إطار عمل تعاوني أكثر طموحا وتوسعا، والهدف هو رفع الحوار إلى مستوى الشراكة الحقيقية.

ومكنت قمة اسطنبول من تحديد المجالات التي يشملها التعاون العملي، كالتعاون العسكري بغرض تحسين قدرات قوات الحلف وبلدان الحوار للعمل سويا ضمن عمليات بقيادة الناتو، ومكافحة التهديدات الإرهابية والأمنية من خلال تبادل المعلومات والمشاركة في عملية المسعى النشط (دوريات بحرية لمواجهة خطر الإرهاب في البحر الأبيض المتوسط)، وتأمين الحدود، وتخطيط الطوارئ المدنية، وتشجيع السيطرة الديمقراطية على الجيوش وتسهيل الشفافية في التخطيط الدفاع الوطني ووضع الميزانية.

وبحسب مسؤولي الناتو والخبراء، فإن أحد الأسباب التي تقف وراء ديمومة الحلف واستمراريته، يتجلى في أن القرارات تُتخد بالإجماع المبني على مشاورات ومناقشات حيوية، ويكمن سر وامتياز التركيز على الإجماع في حرص المنظمة على استقلالية واحترام كل دولة عضو، إضافة إلى أنه عندما يُتخذ القرار فإنه يحظى بدعم كل الدول الأعضاء التي تتعهد بتطبيقه.

ويُعتبر مجلس شمال الأطلسي أعلى هيئة لأخذ القرارات المهمة داخل حلف الناتو، وتمثل فيه كل دولة بممثل دائم برتبة سفير يؤازره وفد وطني مكون من ملاك ديبلوماسي وخبراء عسكريين.

ويترأس حلف الناتو أمين عام يُعين لمدة أربع سنوات ويجب أن يكون رجل دولة معروف دوليا ومن إحدى الدول الأعضاء.

ولا يقتني الناتو قوات خاصة به، بل إن أغلبية القوات تحت تصرفه تظل تحت قيادة وإشراف الدول الأعضاء التي تسند إليها مهام الدفاع المشترك والحفاظ على السلام، ويُسند للهياكل السياسية والعسكرية التابعة للناتو التخطيط الذي يمكن القوات الوطنية من تنفيذ هذه المهام وكذا الترتيبات التنظيمية الضرورية لقيادتها المشتركة ومراقبتها وتدريبها.




تابعونا على فيسبوك