أبوظبي تستضيف ندوة حول مشروع نفق مضيق جبل طارق

6 ملايير دولار تكلفة المرحلة الأولى والتمويل مغربي إسباني مشترك

الأربعاء 23 ماي 2007 - 10:02

أكد عدد من الخبراء المختصين والباحثين العرب والأوروبيين المشاركين في ندوة نفق مضيق جبل طارق بأبوظبي، أمس الاثنين، أهمية هذا المشروع الاستراتيجي.

وقالوا في الندوة، التي نظمها مكتب شؤون الإعلام التابع لنائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي، أن هذا النفق هو أول ربط قاري لشبكة الطرق البرية والحديدية بين قارتي أوروبا وإفريقيا، ما يعزز التعاون الاقتصادي والسياحي.

وقال محمد خليفة المرر، المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي، إن الهدف من تنظيم هذه الندوة هو تعميق التواصل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين الشعوب العربية والشعوب الأوروبية، ونوه بالمساعي، التي تبذلها الحكومتان المغربية والإسبانية لبناء نفق يربط بين البلدين وبين القارتين الأوروبية والإفريقية عبر مضيق جبل طارق.

ويأتي إنشاء هذا النفق في إطار خطة الاتحاد الأوروبي للتوسع جنوباً نحو قارة إفريقيا وبناء شراكة اقتصادية واسعة مع دول شمال إفريقيا العربية وباقي الدول الإفريقية.

ثم قدم المهندس فرانسيسكو روكا باناتش، المهندس المسؤول عن برنامج العلاقات الخارجية وبرنامج الهندسة بالشركة الإسبانية لدراسات الاتصالات الثابتة عبر مضيق جبل طارق، ورقة عمل قال فيها إن الحكومتين الإسبانية والمغربية تعملان حثيثا من أجل ربط أوروبا وإفريقيا جغرافيا من خلال إنشاء قناة عبر مضيق جبل طارق للتغلب على المسافة الفاصلة بين القارتين البالغة 14 كلم، والتي شكلت تاريخياً عائقاً يفصل ضفتي المتوسط
لافتاً الانتباه إلى الإطار القانوني للمشروع، الذي أسس على اتفاقيات ثنائية بين إسبانيا والمغرب، أبرمت في نوفمبر 1979، وأكتوبر 1980، وسبتمبر 1989، بهدف دراسة مشتركة بين الطرفين المعنيين بالربط القارِّ بين أوروبا وإفريقيا عبر مضيق جبل طارق، وموضحاً أن السلطة المعنية هي اللجنة الحكومية المشتركة لمشروع الربط القارِّ، ووكالتان تملكهما الدولتان، إذ تقوم هذه الوكالات بتطوير الدراسات وفقاً لمخطَّطات العمل، التي أقرَّتها اللجنة المشتركة.

وتناول باناتش الدراسات الجيولوجية الجارية لبناء قناة تشبه قناة المانش بعد أن جرى التخلي منذ عام 1995 عن فكرة بناء الجسر، داعماً شرحه بجداول ورسومات توضيحية، مبيناً أن الخصائص الجيولوجية لمضيق جبل طارق تبعث على الحيرة الشديدة وتشكل تحدياً هندسياً كبيراً.

وأكد أن التغلب على هذه التحديات سيدشن مرحلة جديدة من الاندماج الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، مبرزاً خصائص البيئة الفيزيائية للمشروع الهندسي الأوَّلي والملامح الاجتماعية والاقتصادية المرتبة عنه.

وقال إن الحل الأساس يكمن في بناء وتشغيل نفق عبر مراحل تتمثل الأولى في بناء نفق للسكة الحديدية، بالإضافة إلى رواق للخدمة، والمرحلة الثانية بناء نفق ثانٍ للسكة الحديدية، مبيناً أن التكاليف ستكون أقل لأن الاستثمارات ستُوزَّع عبر فترة زمنية أطول
لافتاً إلى أن هذا الحل يسمح بشحن السيارات بواسطة قطارات تسير بين محطتين نهائيتين على ضفتي المضِيق، كما أن الطريق ستسير بمحاذاة عتبة المضيق، وستصل المساحة من الساحل إلى الساحل 8 كلم، ويبلغ أعلى عمق المياه 300 متر، مشيراً إلى أن المسافة بين المحطتين النهائيتين هي 42 كلم، فيما يبلغ طول النفق الكلي 37.7 كلم، أما طول النفق المارِّ من تحت الماء فيبلغ 27.7 كلم.

وأضاف أن ارتفاع النفق فوق مستوى البحر هو 400م، في عمق مائي يصل إلى 300م، أما الغطاء الفوقي للأرض هو 100م، والمسافة من المدخل الشمالي تبلغ 21.7 كلم، فيما ستكون الدرجة الأعلى 25 (1000/1)، مبيناً عبر الرسومات أن المواصفات النهائية ستكون عبارة عن نفقين حديديين باتِّجاه واحد، إضافة إلى رواق الخدمة والسلامة إلى جانب ممرات جانبية عند كل 340م.

وحول التنقيب الجيولوجي لفت المهندس فرانسيسكو روكا باناتش إلى أهمية دراسة البيئة الفيزيقية والجيولوجية للمضِيق، في البر والبحر معاً، وكذلك دراسة الخصائص الجيوتقنية للتربة، التي سيمُرُّ النفق عبرها، موضحاً أن الأبحاث الأوَّلية تشير إلى أن جميع التربة الموجودة بمحاذاة القناة ستكون عبارة عن طبقات متعاقبة ذات أحجام مختلفة من الطين الجبري ومن الحجر الرملي أو الحجر الجيري الأكثر صلابة، مفيدا أن الحملة البحثية، التي أجريت عام 2005 أثبتت أن هذه الصخور توجد في عمق يزيد على 650 مترا من المستوى المتوسط لسطح البحر، مما يعني أن القناة ستمر بها.

ونوه بالأعمال الجيولوجية التجريبية، التي أُنجِزت في البر وتتمثل في أسطوانة بولونيا في إسبانيا عام 1993، ورواق طريفة التجريبي في إسبانيا أيضاً عام 1995، واسطوانة مالاباطا في المغرب من عام 1994 إلى عام 1996، مشيراً إلى أن أهم الأعمال المنجزة تحت البحر تتمثل في إنجاز أربع عمليات حفر في أعماق البحر في أعوام 1995، و1997، و1998 و2005، مما مكن من الحصول على حوالي 2.025 متراً من العينات، بالإضافة إلى الحملات التنقيبية حول الانعكاس الرَّجْفِي والمسح السوناري الجانبي وحفر قصير تحت الماء.

وأسهب المحاضر في بيان البيئة الاجتماعية الاقتصادية للمشروع، لافتاً إلى أنه بالتوازي مع دراسات الهندسة والبيئة الفيزيائية، جرى تطوير قاعدة بيانات حول المتغيرات الاجتماعية الاقتصادية وحركة المرور بين الاتحاد الأوروبي ودول اتحاد المغرب العربي كما جرى عام 1995 تطوير برنامج للتنبؤ بحركة المرور في مناطق للدراسة تشمل 11 دولة أوروبية على الشاطئ الشمالي، إضافة إلى دول الشاطئ الجنوبي للمتوسط وكذلك المناطق المعنية بنقل السلع في 15 دولة إفريقية.

كما أوضح أنه في الفترة بين 1997 و2003 جرى إنجاز مسح يتعلق بالنقل البحري بين المغرب وإسبانيا شمل أكثر من 80 ألف شخص استُطلِعت آراؤهم بشكل مباشر، وكذلك مسح حول النقل الجوي بين المغرب وأوروبا شمل أكثر من 29 ألفا من الذين استُطلِعت آراؤهم مباشرة، وتستخدم النتائج لموازنة برنامج التنبؤ وفي تطوير البرنامج الجديد، الذي تقرر عام 2006 .

وألقى المحاضر الضوء على التنبؤات المتعلقة بحركة المرور لافتاً إلى أنه سيجري تحديثها لتكون على درجة أكبر من الدقة، ومبيناً أن أهم الأعمال، التي تقرَّرت عام 2006 تشمل على مراجعة شاملة لـ "الحل الأساسي"على مستوى التصميم الأولي للمشروع، إذ ستضع المراجعة في اعتبارها المعلومات الجديدة، التي جرى الحصول عليها في السنوات الأخيرة وخاصة المعلومات الجيولوجية، إلى جانب إجراء المزيد من البحث الجيولوجي والجيوتقني، ووضع نموذج جديد للتنبؤ بالحركة للحصول على دقة أكبر، علاوة على مراجعة جميع الدراسات الاجتماعية والاقتصادية المتصلة بالموضوع، فضلاً عن دراسة جديدة للتأثيرات البيئية، وأخرى تقييمية جديدة لتحديد تكاليف المشروع وديمومته الاقتصادية، ومشيراً إلى أن حدوث تغييرات تؤثر في المكون الهيكلي والتكاليف وعناصر أخرى يعد أمراً وارداً .

خيار النفق الحديدي

من جانبه تحدث شفيق الجيلالي، الكاتب العام للشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق، في ورقته، عن الإطار المؤسساتي والتعاوني لدراسة وإنجاز مشروع الربط القار عبر مضيق جبل طارق، قائلاً إن الحلول المقترحة لعملية الربط الجغرافي بين أوروبا وإفريقيا تمحورت في البداية بإنشاء جسر معلق على دعامات ثابتة بطول 28 كلم أو بطول 14 كلم، مشيرا إلى أنه جرى التوصل إلى صياغة خيار النفق الحديدي كحل أساسي للشروع عام 1996 لوجود خصائص تقنية حول وجود منشآت متشابهة يمكن الارتكاز عليها مثل المانش وسيكان، وأخرى اقتصادية، إذ إن كلفة النفق أقل بكثير من كلفة الجسر وملاءمة لمبدأ الإنجاز التدريجي عبر مراحل، وأيضاً لأسباب قانونية وهو عدم عرقلة النفق لحركة المرور وما قد ينجم عن ذلك من وقوع حوادث اصطدام البواخر، إلى جانب مراعاة واحترام البيئة البحرية.

واعتبر أن مشروع الربط القاري حلقة ضرورية في تصميم شبكة النقل البرية بين أوروبا وإفريقيا خصوصاً المنطقة الغربية المتوسطية، مبيناً أن هناك مجموعة من الأشغال جارية في هذه الشبكة ضمن أنشطة اللجنة الأوروبية لتنمية النقل بمنطقة المتوسط، وهو ما توضحه تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة وتعززه التنمية السريعة، التي تعرفها الشبكات المؤدية إلى مضيق جبل طارق، مشيرا إلى الدور الإيجابي، الذي سيلعبه النفق في رواج البضائع والمسافرين بين ضفتي المتوسط وتدعيم الخطوط البريدية والشبكة الحديدية المرتبطتين بالمشروع.

وقال إن عبور المضيق يطرح مشاكل هندسية استثنائية تتجلى في تزاوج المسافة الطويلة الفاصلة بين الضفتين وعمق المياه، التي ستعبرها المنشأة، وكذا في التركيبة المعقدة للوسط الفيزيائي، إضافة إلى الصعوبات الاستثنائية، التي تطرحها التقنيات في عمق البحر.

وقدم المحاضر شرحاً حول الطبيعة الطبوغرافية لمضيق جبل طارق، مشيراً إلى أن المضيق يتصف بوجود ممرين ذوي مميزات خاصة، حيث يعتبر الممر الأول الأقل مسافة ويربط بين رأس سيرس بالمغرب ورأس كناليس بإسبانيا على طول 14 كلم، ويبلغ أقصى عمقه 900 متر، أما الممر الثاني وهو الأقل عمقاً يربط رأس ملابطا بالمغرب ورأس بالوما بإسبانيا على طول 28 كلم، ويبلغ أقصى عمقه 300 متر، لافتاً إلى أن الممر الثاني يعتبر الصيغة الأنسب من حيث العمق وطول المسافة لإقامة الربط القار عبر مضيق جبل طارق
كما تناول الخلفية التاريخية للمشروع لافتاً إلى أنه جرى إعطاء الانطلاقة الفعلية للدراسات من طرف جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني وجلالة خوان كارلوس الأول ملك إسبانيا في يونيو 1979 .

كما جرى إبرام اتفاقية التعاون للدراسات الأولية لمشروع الربط القار في أكتوبر 1980 إلى جانب تشكيل لجنة مختلطة مغربية إسبانية تعد بمثابة الجهاز الإداري المكلف فعليا بإدارة المشروع، فضلاً عن إنشاء شركتين حكوميتين إحداهما بالمغرب والأخرى بإسبانيا عهد إليهما تنفيذ برنامج الدراسات المقرر من طرف اللجنة المختلطة المغربية الإسبانية، مشيرا إلى أنه جرى في يوليوز 1989 إبرام اتفاقية تكميلية عززت دور اللجنة المختلطة والشركتين وفتحت آفاقاً أمام البلدين لإنجاز المشروع بإشراك دول أخرى ومؤسسات مختصة، فضلاً عن إشراك المعاهد الوطنية المختصة وعدد من الخبراء المرموقين للرفع من مستوى البحث العلمي وتطوير الدراسات.

وتطرق الجيلالي إلى منهجية الدراسات، التي أجريت على المشروع مبيناً أنه في الفترة 1980-1993 جرى جمع وتحليل المعطيات حول الموقع والقيام بالدراسات الأولية المتعلقة بجمع المعطيات وتحليلها، والقيام بدراسات أولية حول معطيات الموقع، والدراسات الهندسية والسوسيو- اقتصادية والقانونية والعلاقات الخارجية، إلى جانب إنجاز دراسات أولية بكافة الحلول الممكنة حول السد والنفق المحفور والنفق الموضوع على قعر البحر، والنفق المغمور، والجسر المعلق على دعامات ثابتة، والجسر المعلق على دعامات عائمة، علاوة على القيام بدراسة مقارنة بين الحلول الممكنة، مضيفاً أنه جرى ما بين 1994-2005 اختيار الصيغة الأساسية المناسبة للنفق الحديدي المحفور، والقيام بأبحاث جيولوجية وإنجاز منشآت تجريبية على ضفتي المضيق لدراسات التكوينات الجيولوجية، وإنجاز جولات بحرية للتنقيبات الجيولوجية بواسطة أسبار عميقة، مبرزاً أنه جرت دراسة الجانب التقني والبيئي والسوسيواقتصادي والقانوني والقيام بدراسة تقويمية شاملة خلال عامي 2006 و2007 وسيجري رفع التقرير إلى السلطات المعنية وإلى اللجنة الأولية لتوفير الإمكانات المالية للإنجاز عام 2008 .

وأبرز المحاضر دراسات الموقع على اليابسة، مشيراً إلى أنها تتضمن الربط الجيوديزي والدراسات الخرائطية والطبوغرافية وحفر أسبار معمقة وإنجاز منشآت تجريبية، أما دراسات الموقع في البحر فتشمل دراسات هيدرو ديناميكية ودراسات جيوفيزيائية وسبرية وإنجاز أسبار قصيرة وأخذ عينات من قعر البحر، حيث أنجزت أربع جولات لحفر أسبار عميقة في قعر البحر، وأفاد أنه جرى في عام 2005 إنجاز 1350 متراً من أسبار في 11 موقعا، حيث وصل العمق الأقصى إلى 325 مترا تحت غطاء مائي بـ 275 مترا.

ونوه عبد القادر الزاوي، سفير المملكة المغربية لدى الإمارات، في كلمته، بالأبعاد الجيواستراتيجية للمشروع، وقال إن فكر الربط القاري تبرهن على نظرة مستقبلية ثاقبة وأسس عملية لتجاوز الحساسيات في العلاقات بين المغرب وإسبانيا إلى الإطار الأورومتوسطي، والتي نشأت في الغالب عن مشاكل الهجرة غير الشرعية، مضيفا أن هذا الربط سيعمق العلاقات بين دول الشمال ودول الجنوب وتعم خيراته دول الاتحاد الأوروبي ودول المغرب العربي.

ومن جانبه، قال مانويل بينييرو، السفير الإسباني في الإمارات، إن المشروع يقدم رسالة تفاؤلية تؤكد إيمان الاتحاد الأوروبي بالتواصل مع كل القارات والحد مما تسببه الهجرة غير الشرعية من مشاكل، مؤكدا عمق العلاقات الثنائية، التي تمتد إلى آلاف السنين، مؤكدا أن مشروع النفق هو دعوة إلى التقارب والتعاون والنظر إلى المستقبل.

وبعد ذلك، دار نقاش وحوار حول موضوع الندوة، ففي تعقيبه حول الموقف البريطاني من مشروع نفق جبل طارق، أكد شفيق الجيلالي، أن المشروع سينجز بعيدا عن مضيق جبل طارق وهو مسألة تعاون بين المغرب وإسبانيا فقط.

وحول مطالب أوروبا بالمشاركة في إنجاز هذا المشروع، أشار إلى أن الدراسات الاقتصادية، التي أنجزت، أكدت أن ثلثي حجم المبادلات أوروبية كما أن ثلثي عدد المسافرين الذين سيعبرون النفق يسكنون أوروبا.

وفي ما يتعلق بالتكلفة المقدرة للمشروع، مقارنة مع تكلفة مشروع المانش الرابط بين فرنسا وبريطانيا، قال الجيلالي إن تكلفة المرحلة الأولى من نفق جبل طارق تصل إلى 6 ملايير دولار، على أن يجري استغلال نفق الخدمة والنفق الرئيسي، الذي سيقع إنجازهما في المرحلة الأولى في الرواج لإنجاز النفق الثاني، مشيرا إلى أنه عند الانتهاء من هذه المرحلة، سيقع تحديد الكلفة الإجمالية للمشروع ككل، لافتا أن المغرب وإسبانيا سيقومان بتمويل هذه المرحلة.




تابعونا على فيسبوك