يبدو كريم غلاب، وزير التجهيز والنقل، مغلوبا على أمره مع مدونة السير، على غرار سلفه، كاتب الدولة السابق في الرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة، سعيد السعدي، الشقي مع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية.
فلو أن في زمن الحكومة متسعا من العمر، لكان مصير وزير التجهيز والنقل اقترن بمصير الوزير السابق في "حكومة التناوب التوافقي"، التي تركت عضوا منها عرضة للنهش في الشارع العام، قبل أن تجري التضحية به.
اقترن اسم سعيد السعدي، في نهاية حياته الوزارية، بالخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، واليوم يوجد غلاب في موقع مشابه، بعد أن جرت عليه مدونتـه للسير غضب مهنيي قطاع النقل، وكذا فئات عريضة من المواطنين، نظرا لارتباط النقل مباشرة بالحياة اليومية للناس ومعيشتهم، وفي وقت تجعل الحسابات الانتخابية كل خطوة بألف حساب لدى الأحزاب المشكلة للحكومة، والساعية للبقاء.
موضوع الخبز لا يقل حساسية عن مسألة المرأة لدى المغاربة، وخلف كل من الخبز والمرأة أقوالا مأثورة في الذاكرة الجمعية، وصلت إلى أجيال اليوم، متواترة عن أجدادهم في القرون الماضية، وهي تشكل مكونا من الهوية الثقافية للمغاربة.
فكما هو عالم المرأة محاط بالمحظورات المستندة إلى قناعات واستيهامات، كذلك الخبز، وما يدخل في معناه، هو المحرك الأساسي في الحياة، بما في ذلك ما يتعلق بشؤون العبادة، حسب رباعية شهيرة منسوبة للشاعر الزجال، والجوال، عبد الرحمان المجذوب، في القرن الرابع عشر، يقول فيها "الخبز يا الخبز -والخبز هو الايفادة-لو ما كان الخبزما تكون لا صلاة ولا عبادة)".
قبل سنوات سقط سعيد السعدي ضحية لمشروع قدمه باسم حكومة لم تقف إلى جانبه، في مواجهة معارضة وظفت الدين في السياسة، واليوم يقف كريم غلاب بمفرده في مواجهة مهنيين غاضبين وخائفين على مصالحهم المباشرة.
في عام 2000، أحدث مشروع "الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية"، الذي طرحته حكومة عبد الرحمان اليوسفي، وارتبط بوزيرها سعيد السعدي، انقساما حادا في الشارع المغربي، رأى فيه البعض آنذاك بوادر حرب أهلية، من خلال استقطاب قوي في الساحة السياسية امتد إلى الشارع، بخروج »المظاهرة المليونية«، بتعبير التيار الإسلامي، الذي قادها ووقف خلفها، إلى شوارع الدارالبيضاء في ماي 2000، احتجاجا على مشروع الخطة من منطلق الرفض والإدانة، بينما خرجت مظاهرة أخرى مؤيدة للخطة في مدينة الرباط، نظمتها الجمعيات النسائية وأحزاب اليسار.
انتهت المعركة، التي اكتست طابعا سياسيا وإيديولوجيا حادا، بالتحكيم الملكي، من خلال إحداث لجنة خاصة من العلماء ورجال القانون والفعاليات الجمعوية النسائية، أعطت في النهاية مدونة الأسرة، وجد فيها كل طرف مبتغاه.
أما الوزير"الشقي"، سعيد السعدي، فكان مصيره الإقصاء من حكومة "التناوب التوافقي"الثانية لعبد الرحمان اليوسفي.
في حالة كريم غلاب، خلف إضراب قطاع النقل، في مطلع أبريل، انعكاسات سلبية مباشرة على المواطنين، وخسائر مادية للاقتصاد الوطني لم يكشف عنها بالأرقام، خلال سنة ذات محصول زراعي ضعيف.
وبغير قليل من الحسابات الانتخابية، سارعت بعض أحزاب المعارضة إلى تحميل مسؤولية الإضراب والتوتر الاجتماعي للحكومة، وبدت هذه الأخيرة بالفعل في موقع ارتباك ودفاع أمام مشروع مدونة السير، التي جرت المصادقة عليها في مجلس الحكومة، ودفع المهنيون بإقصائهم وعدم استشارتهم قبل اعتمادها.
سجل مناهضو المدونة نقطة ثمينة بفضل الإضراب، وبثمنها يتحرك لوبي النقل في اتجاه البرلمان، ويجري المفاوضات مع الحكومة لتعديل بنودها، إن لم يكن إلغاؤها.
كريم غلاب لا يقل في شيء عن زميله أحمد توفيق حجيرة، سواء في الكفاءات الشخصية والمسار الدراسي والمهني، أو ما يتعلق بعراقة الانتماء الأسري إلى العائلة الحزبية الاستقلالية.
إلا أن لوزير الإسكان ميزة تجعله يتفوق على زميله في التجهيز والنقل، تتمثل في ما يحسب للأول من إنجاز ونجاح في قطاعه، يجري التنويه بهما كورقة قد تكون مربحة في الانتخابات، فضلا عن أهلية أكثر في التواصل وقدرة على الإقناع و"التسويق".
والغالب أن أجواء التسخين والجدل المحيطين بمدونة السير ستدفع بالمشروع إلى التأجيل، فلن يحسم فيه البرلمان الحالي المشرف على نهاية ولايته.
وبما أن للمرحلة حساباتها وحساسيتها الانتخابية، فإن المرتبطين بقطاع النقل، وخلفهم كل المواطنين عن طريق المصالح الجارية، يشكلون كتلة ناخبة مهمة، وأيضا أداة افتراضية للمساهمة في الحملة الانتخابية.