اضطلع الراحل إدريس بنزكري، بمهمة رئاسة هيئة الإنصاف والمصالحة، منذ تأسيسها في العام 2004، وعينه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في هذا المنصب، في7 يناير 2004.
ولعب إدريس بنزكري في مسارها الدور الطلائعي، ليس فقط بثقله السياسي كأحد المعتقلين السياسيين، إذ قضى رهن الاعتقال 17 سنة، بل لقناعته بالمسار الذي بات المغرب ينهجه على مستوى الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولقناعته أيضا بأهمية المساهمة في طي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ومنذ تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، التي ظل بنزكري عمودها الفقري، بتفانيه في العمل، ومكوثه في مكاتبها في عمارة السعادة بالرباط، لساعات تشرك الليل بالنهار، وكأنه يسابق الزمن، باشرت مهامها في البحث عن الحقيقة والكشف عن الخروقات، وإثبات نوعية ومدى جسامة الانتهاكات، التي مورست في الماضي، عن طريق إجراء التحريات، وتلقي الإفادات، واستيفاء المعلومات والمعطيات، والإطلاع على الوثائق التي تبين ذلك.
أصبحت هيئة الإنصاف والمصالحة، التي وصفها أحدهم بالبيت الثاني لبنزكري، أداة فعالة للبحث عن الحقيقة في ملفات انتهاكات حقوق الإنسان وإنصاف الضحايا، من خلال جبر الضرر ورد الاعتبار لهم.
وكان الراحل بنزكري، قبل تعيينه في هذه المهمة، تحمل مسؤولية الأمين العام للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بعد إعادة هيكلته سنة 2001، ثم عين بعد ذلك رئيس المجلس ذاته، وظل يؤكد في تصريحاته واستجواباته مع مختلف وسائل الإعلام على أن حقوق الإنسان، لا ينبغي أن تظل منحصرة في الحقوق الكلاسيكية، أي الحقوق السياسية التي تعني حرية التعبير وإبداء الرأي والانتماء السياسي، بل ينبغي أن تتجاوزها لتشمل أيضا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بما يعني الحق في السكن والعمل والحق في الصحة والتطبيب والتعليم، وهي القضايا التي كرس بنزكري حياته وتجربته، سواء في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، أوفي هيئة الإنصاف والمصالحة، لبلورة تصورات حولها وإثارتها باستمرار.
وتعتبر هيئة الإنصاف والمصالحة، الجهاز ذا الاختصاصات غير القضائية، في مجال تسوية ملفات ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تجربة متميزة، وغير مسبوقة على المستوى العربي، كشفت شجاعة المغرب في التعامل مع ملفاته الحقوقية الشائكة، وبرهنت على رغبة المغرب في المصالحة مع الذات ومع التاريخ، من أجل السير قدما نحو ديمقراطية قوية، تستند إلى بحث سبل عدم تكرار ما جرى.
وانكب بنزكري، رفقة باقي أعضاء الهيئة، منذ توليه المهمة، على صياغة نظامها الداخلي، ثم جاءت مرحلة دعوة الضحايا وذوي الحقوق إلى تقديم ملفاتهم إلى الهيئة، التي كانت توصلت بأزيد من 20 ألف ملف، لتنكب فرق العمل المنبثقة عن الهيئة، على قراءتها وتصنيفها ودراستها، وإخضاع معطياتها للتحليل والتمحيص، ومقارنة الخروقات التي تضمنتها هذه الملفات، بالأحداث التي شهدها المغرب خلال الفترة من 1956 إلى 1999 .
وشكلت جلسات الاستماع، التي نظمتها الهيئة في مختلف مدن المملكة، أعطت خلالها الفرصة للأشخاص ضحايا الانتهاكات، للتعبير بصفة شخصية ومباشرة، على شاشة التلفزة، وأمواج الإذاعة الوطنية، عما تعرضوا له من تنكيل وتعذيب وإهدار للكرامة، وما تعرض له ذووهم من أضرار جسيمة مادية ومعنوية.
ونظمت لقاءات في العديد من المدن المغربية، مركزة على المدن التي شهدت أحداثا تاريخية تجسدت فيها انتهاكات حقوق الإنسان، كمنطقة الريف، وخنيفرة، ومناطق الجنوب المغربي، وتعززت بحوثها بتنظيم ست جلسات الاستماع عمومية، في كل من الرباط، وفكيك، والراشدية، والقنيطرة، ومراكش، والحسيمة، حضرتها مختلف فعاليات المجتمع المدني، ومتدخلون مغاربة وأجانب، وأحزاب سياسية، وصحافة دولية ووطنية، وجرى بث هذه الجلسات، مباشرة على شاشات التلفزيون، وأمواج الراديو، باللغات الفرنسية والعربية والأمازيغية.
ولم يقتصر عمل الهيئة على ذلك، بل حرصت على تحليل ودراسة كل المعطيات التي توصلت بها، من خلال إنجاز دراسات تساعدها في مقاربتها للمواضيع التي تنكب عليها، إذ أشارت إحدى الدراسات التي أنجزتها الهيئة، إلى أن إحصاءاتها، تبين أن 73 في المائة من الذين حضروا جلسات الاستماع هم ذكور، وأن 82 في المائة منهم يبلغون أكثر من 45 سنة وأن 85 في المائة يشكلون ضحايا مباشرين للانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان، وأن 73 في المائة من الانتهاكات، تهم الاعتقال التعسفي، في حين أن الباقي يتجزأ بين الاختفاء القسري، والنفي القسري، والوفيات نتيجة العنف الممارس خلال التحقيقات
ونظمت هيئة الإنصاف والمصالحة، بقيادة الراحل بنزكري، الذي وصفته بعض وسائل الإعلام الدولية، بـ »المهووس بحقوق الإنسان«، سلسلة من جلسات الحوار، بهدف إشراك الرأي العام في تفكير صريح ومسؤول حول السياقات التاريخية والسياسية والفكرية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي شهدها المغرب منذ بداية الاستقلال، وحول الأسباب التي أدت إلى حدوثها، والانعكاسات التي خلفتها على التطور السياسي في المغرب.
وكذا المساهمة في التأسيس لثقافة دولة القانون والمؤسسات وحماية الحريات ومنع تكرار الانتهاكات.
وظل إدريس بنزكري، وهو يدبر هذا الملف الذي اعتبر الأكثر تعقيدا في المغرب، يؤكد الدور الذي لعبه المجتمع المدني والسياسي، في المطالبة بالحقيقة وإقرار حقوق الإنسان، خاصة بعد التسعينيات الذي طرحت فيه المطالبة بنظام يحترم حقوق الإنسان، كما ظل يشدد على أن هيئة الإنصاف والمصالحة، هي أداة لتقوية الديمقراطية، وأن الهدف منها هو تحصين الحاضر من مختلف الأحداث الأليمة التي لحقتنا في الماضي، وهو ما يعني المساهمة في ترسيخ المشروع الديمقراطي، باعتباره المشروع القادر على بناء الفضاء السياسي، بصورة لا تسمح باستخدام الأساليب المهينة لكرامة الإنسان ولحقه في إعلان اختلافه بالوسائل المشروعة، ضمن دائرة الصراع السياسي داخل المجتمع.
وركز في أحد اللقاءات الدولية أن البحث عن الحقيقة تأسس في البداية، على تحليل التجاوزات الفردية والجماعية حالة حالة، مع دراسة حول الوضع السياسي والسوسيولوجي، مؤكدا أن دور الهيئة، كان هو جمع وتحليل حالات الاعتداءات، وكانت هناك حاجة للجوء إلى عدد من الشهادات حول 40 سنة وجمع المعلومات.
كمهووس بانتهاكات الماضي وآفاق المستقبل، اعتبر في أكثر من مناسبة، أن العمل الذي أنجزته الهيئة، سيوفر للباحثين أرشيفا غنيا حول تلك المرحلة من التاريخ، مبرزا أن من مهام الهيئة، إعطاء مفاتيح للمتخصصين في كتابة التاريخ، مقترحا في هذا الإطار، إحداث مركز لدراسة التاريخ السياسي للمغرب.
وبعد كل تلك المراحل، وبعد انتهاء الهيئة من دراسة الملفات، والبت في كل واحد منها على حدة، أصدرت تقريرها الذي رفعته إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي أذن بنشره، ما اعتبره بنزكري إيذانا بانطلاق النقاش حول الحقيقة وإشكالية المصالحة، وتضمن التقرير توصيات جرى حتى اليوم تفعيل عدد مهم منها، تحت إشراف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، من خلال خلية أحدثت داخله لهذا الغرض، وحملت اسم »لجنة متابعة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة".
ظل بنزكري يؤمن بالحقيقة، ويؤسس لها، وظل يشدد على أنه "لايكفي الكشف عن الحقيقة، ولكن كذلك لا بد من فتح نقاش حولها بشكل عام"، معتبرا أن عمل الهيئة ارتكز على التربية على الحقيقة من خلال جلسات الاستماع إلى الضحايا، وأن أهم النتائج على المستوى الاجتماعي هو إدماج الضحايا، وكذا إدماج المجتمع في النقاش حول التغيير، ما دام العمل الذي يطمح إليه المغرب هو "توطيد الدمقرطة، وأن الكشف عن الحقيقة الهدف منه هو الكشف عن وجود الحق في الحقيقة".