بين زمن الميلاد في قرية آيت واحي، قرب مدينة تيفلت، ولحظة الانطفاء في مصحة بالرباط، 57 عاما، هي حياة إدريس بنزكري القصيرة في الزمان والمكثّفة بالفواجع والانكسارات الذاتية، لكنها مرصعة أيضا بالإنجازات الكبيرة.
يحتفظ المقربون من إدريس بنزكري، وكل الذين عايشوه عن قرب، بصورة "المناضل الشجاع" في مختلف مراحل نشاطه، و"الرجل الجميل"في سلوكه وعلاقاته الإنسانية.
كان الطفل الأمازيغي في حاجة إلى جرعة كبيرة من الشجاعة، هو المولود عام 1950، في أسرة فقيرة وفي بداية مرحلة جديدة من تاريخ المغرب الحديث، ليكون في مقدمة جيل الاستقلال، الذي سكنته جرثومة الأحلام الكبرى وحمل جمرة التغيير بقدر كبير من الرومانسية السياسية والطهرانية الأخلاقية والاستقامة الفكرية.
كانت الشجاعة مطلوبة أولا لكي يلتحق ابن الأسرة القروية الفقيرة بالمدرسة، السبيل الوحيد للخلاص وللترقية الاجتماعية في مطلع الاستقلال.
ومطلوبة ثانيا لكي لا تزيح الأحلام الذاتية من طريق الطالب الشاب هموم الوطن، في منطقة سجلت حضورها في مقاومة الاستعمار، فكان الطريق سالكا إلى المزاوجة بين دراسة الأدب الفرنسي، المحمّل في تلك المرحلة بكل نظريات الرفض والتغيير، والنشاط السياسي المحفوف بكل المخاطر.
في أوج"سنوات الرصاص"، التي سيعمل لاحقا على معالجة جراحها، اختار إدريس بنزكري أقصى اليسار، في مخاض الخلافات العنيفة حول طريقة بناء الدولة الحديثة وتدبير الشأن العام، فكانت المساهمة في تأسيس منظمة "إلى الأمام" السرية، في بداية رحلة طويلة من النضال السياسي والسجن، انتهت عام 1992، ليبدأ الرجل مسارا جديدا، بقناعات دافع عنها بشجاعة أمام منتقديه، غير آبه بالانتقادات الجارحة أحيانا، مفضلا أن "يحترق شخصيا، إذا كان ذلك ثمنا لتحريك المغرب في اتجاه صحيح وجميل"، كما قال في حوار سابق مع "المغربية".
وحول اعتقاله الطويل قال أيضا لصحيفة فرنسية"نشعر دائما أن الجرح لم يندمل، لكنه ليس شيئا يفسدنا من الداخل.أقول نحن وليس أنا، لأن كثرا واجهوا المصير نفسه".
خلال سنوات الرصاص على رأس هيئة الإنصاف والمصالحة زار إدريس بنزكري المعتقل السري السابق بالدار البيضاء، ولا شك أنه استرجع حينها مشهدا متميزا كان هو "بطله" عند مروره من هناك بين عامي 1974 و1975، وسجلته أعمال أدبية وفنية وذاكرة بعض شهود العيان.
كان حارس يعذب بسادية معتقلا شابا على مقربة من بنزكري فقام الأخير ونزع العصابة عن عينيه وصرخ بالجلاد : "اتركه يا البرهوش، أو أكسر وجهك".
ذهل الجلاد واستنجد بالمسؤول الأكبر عن المعتقل، فكان حظ بنزكري حصة رهيبة من التعذيب لم يسمع له خلالها أنين.
عن مرحلة السجن المركزي بالقنيطرة يذكر المرافقون العابرون من هناك بنزكري المقتر في الأكل مثل زاهد، المختصر في الكلام، إلا عند النقاشات الساخنة، دون أن تهتز نبرة الصوت الهادئ.
وأيضا بنزكري "الهراس"خلال مقابلات كرة القدم فوق أرضية إسمنتية، والرفيق "الأستاذ" لطلبة شعبة الأدب الفرنسي.
ليس السجن بالضرورة هو من"غير" صاحبه، ولكنها الحركية الاجتماعية التي فرضت تغيير زاوية الرؤية لدى المناضل الشجاع.
فك بنزكري الاتصال مع منظمة "إلى الأمام"في أواخر فترة الاعتقال، على ضوء المتغيرات السياسية في البلاد وفي العالم.
وبعد خروجه من السجن أسس، إلى جانب ضحايا آخرين للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان،"منتدى الحقيقة والإنصاف"، وفي انعطافة أخرى من الشجاعة الأدبية والسياسية أصبح رئيسا لهيئة الإنصاف والمصالحة، ليحمل على عاتقه مسؤولية البحث عن المفقودين وكل الذين تحمل جلودهم آثار "سنوات الرصاص"، فكان اكتشاف المقابر الجماعية، والشهادات العمومية للضحايا، وتتويج العمل بإصدار توصيات الهيئة، الرامية إلى توفير الشروط لتحصين المغرب حتى لا يتكرر ما جرى.
على خلفية الهم الحقوقي والنظرة السياسية البعيدة، عمل إدريس بنزكري من موقع رئاسته للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، على تثوير مفهوم حقوق الإنسان، لكي لا تبقى مقتصرة على الجانب السياسي، بل تشمل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، من منظور متكامل لشروط المواطنة والكرامة الإنسانية.
في شهادة إنصاف من أبراهام السرفاتي، الذي ارتبطت منظمة "إلى الأمام" و"اليسار الجذري" باسمه، فإن إدريس بنزكري كان"شجاعا ونزيها ولا يمكن التلاعب به
وكان محقا في قبول رئاسة هيئة الإنصاف والمصالحة".
لأن الرجل لم يتجه إلى السياسة من باب الاحتراف، فقد شكلت المعرفة لديه عملا نضاليا أيضا، ففي السجن واصل دراسته الجامعية فحصل على دبلوم الدراسات المعمقة في اللسانيات والآداب من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، سنة 1983، ثم على دبلوم الدراسات المعمقة في اللسانيات من جامعة إيكس- مرسيليا، بفرنسا سنة 1987.
ولم يكتف بتخصصه الأصلي بل انصرف إلى الدراسات القانونية، من زاوية الهم الحقوقي، فكانت الحرية المستعادة مناسبة أيضا لنيل شهادة الماجستير في القانون الدولي، تخصص القانون الدولي وحقوق الإنسان، من جامعة إسيكس بإنجلترا سنة1997 .
كما أنجز مجموعة من الأبحاث والدراسات في مجالات مختلفة منها "مهام وأنشطة هيئة الأمم المتحدة في إطار مجموعة العمل حول الاختفاء القسري"، و"مسلسل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية والتطورات التي شهدها القانون الدولي الجنائي".
أخيرا يهزم الموت المناضل الشجاع.
إلا أن الشجاعة لم تخن صاحبها أيضا في رحلة المعاناة مع المرض.
واجه إدريس بنزكري الألم بكبرياء الإنسان وصمود المناضل وصمت الطفل الخجول
لم يقعده الداء عن أداء مهامه إلا خلال الاضطرار في جلسات العلاج الأليم، فكان من آخر إنجزاته على رأس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وهو على فراش الرحيل الكبير في المستشفى، توقيعه رسالة تنص على منح تغطية طبية لضحايا "سنوات الرصاص".
لا شك أن في ذلك بعض المواساة للراحل وللمكتوين بألم الرحيل.