أكد علماء شاركوا في ندوة نظمها، أول أمس السبت، في الدار البيضاء، المجلس العلمي الأعلى، أن المبررات التي يتخذها الإرهابيون ذريعة لإزهاق الأرواح البريئة لا أساس لها في الشريعة الإسلامية.
وأوضحوا، خلال هذه الندوة التي نظمت حول »حكم الشرع في دعاوى الإرهاب«، تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أن دحض هذه المبررات يقتضي منهجيا البدء ببيان مقولات أهل الضلال بمرجعيتها وبتأويلاتهم الفاسدة للنصوص التي ينزلونها على الواقع، يليها بعد ذلك، التعقيب عليها بإبراز أوجه مخالفتها لأصول الشرع وقواعده وخروجها عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وذلك بالاحتكام إلى الأدلة الساطعة والحجج الدامغة.
وفي سياق متصل، اعتبر بعض العلماء، خلال الندوة التي حضرها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، وعدد كبير من الشخصيات تمثل مختلف مناطق عمل المجالس العلمية المحلية بربوع المملكة، ومن ضمنهم علماء ينتمون إلى الجالية المغربية بأوروبا وأئمتها، أن تفسير ظاهرة الإرهاب بالأوضاع المعيشية الاجتماعية تفسير قاصر لأن الإرهاب يحاول إصباغ الشرعية الدينية على مشروعه من منطلق التكفير.
وفي معرض دحضهم لهذا المنطلق، أكدوا، بشكل خاص، أن أهل السنة، وكل مجتهديهم، لم يكفروا أحدا بسبب نقص عمله أو بسبب أخطائه »لأن مسألة الإيمان مسألة قلبية، ولأن العمل شرط كمال في الإيمان وليس شرط صحته«، مشيرين إلى أن التكفيريين جنحوا إلى »تبديع« المسلمين في الأمور التي جهلوا سند مشروعيتها، في حين أن كثيرا من المستجدات أقدمت عليها الأمة عن وعي عميق بالمفهوم الشرعي للبدعة وجواز سن المصالح المستجدة من غير أن يكون في ذلك مزاحمة للشريعة.
واعتبروا أن إطلاق أصحاب الفكر التكفيري لفظ »الجاهلية« على العصر الراهن، فتح على المسلمين بابا من أبواب الفتنة والشر استغله ذوو الأمزجة المنحرفة والنوايا الخبيثة ليشككوا الناس في دينهم وشريعتهم ويتخذوه ذريعة لتكفيرهم وإعلان الحرب عليهم.
وفي جانب آخر، أبرز علماء آخرون أن دعوى الإرهابيين المتعلقة بمعاداة الديمقراطية باطلة لأنها تحرم المسلمين من الأسلوب الذي ابتكرته الإنسانية لتطوير الشورى، مبرزين وجود ائتلاف بين الشورى والديموقراطية، لكون الشورى والديموقراطية تقومان على قاعدة الحرية ووحدة المقصد ( كفالة حريات الناس، وتحريرهم من الاستبداد والطغيان)، وتعتمدان مبدأ الأغلبية معيارا للترجيح.
وبعد أن أشاروا إلى أن رفع "دعوى الحاكمية"والخروج على الإجماع، فتح باب الفتنة والعنف على مصراعيه، قالوا إن علماء المسلمين أجمعوا على إدانة هؤلاء التكفيريين، وحذروا من باطل دعواهم وسوء قصدهم، وأبطلوا كل حججهم التي استندوا إليها في تكوين فكرهم، موضحين أن كثيرا من المحرضين على الإرهاب في الوقت الراهن هم"خوارج جدد"، أعلنوا الحرب على المسلمين وأحيوا الفتنة وأرهبوا المجتمع، يقتلون ويدمرون دون وازع من خلق أو دين.
وفي معرض تطرقهم لمفهوم "الولاء والبراء"، الذي يستعمله الإرهابيون لتبرير اعتداءاتهم على من يتهمونهم بالتحالف (الولاء) مع العدو، أكدوا أنه لا يجوز في كل الأحوال أن تبنى أحكام التكفير على مفهوم »الولاء والبراء«، لأنه ضرب من الحكم على النيات "وشق على قلوب العباد وهو حرام شرعا".
وشددوا على أن الإرهابيين يقترفون جرائمهم بالاعتداء على الناس عندما يعتبرونهم كفارا بدعوى من دعاواهم التي يظنونها مستندة إلى الشرع، مبرزين أن عملهم هذا ينم عن أمور تجعل دعاواهم هذه فاسدة، وتعبر عن سطحية فهمهم وغلبة جهلهم وقلة ورعهم وسفاهة عقلهم.
وما إن أبرزو أن الإرهابيين يتسترون وراء الجهاد لتبرير ما يرتكبونه من جرائم، حتى أكدوا أن عملهم هذا يسمى إرهابا، والإرهاب ليس جهادا، لأن هذا الأخير لا يكون إلا دفاعا عن حفظ حرية الإنسان في معتقده وصيانة كرامته.
وشددوا على أن الجهاد هو من اختصاص الإمام الأعظم أي أمير المؤمنين، ولا يعلنه إلا هو، أو من يخوله الإمام ذلك اتقاء للفوضى والفتنة، معتبرين في الآن ذاته أن هؤلاء التكفيريين يجهلون الإسلام في سماحته وأخلاقه ورحمته بالناس جميعا.
وشارك في هذه الندوة محمد يسف، الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى، ورؤساء عدد من المجالس العلمية المحلية، وعدد من الجامعيين.
وأعرب عدد من المشاركين في الندوة، الذين قدموا من مختلف جهات المملكة، عن أملهم في أن تنشر عروض كل المتدخلين في كتاب حتى يجري تعميم فائدتها.