التكيف مع الواقع ضروري، لكن الملاحظ هو أن المسؤولين يغيبون هذا المعطى فتراهم متحمسين لأي خطة أو سياسة أخذوا علما بتطبيقها في بلد أوربي أو في أميركا.
وأثناء النقاش الذي فرضه اعتزام تطبيق مدونة سير مستوردة من دول أوروبية تدنت فيها حالات الوفاة بسبب حوادث السير، كان الكثيرون يتساءلون هل المغربي هو السويدي؟ هل لدينا طرق السويد هل وهل.
وتزامنا مع التساؤلات أجهد المسؤولون عن قطاع النقل وعلى رأسهم كريم غلاب وزير التجهيز والنقل أنفسهم في البحث عن الوسائل الكفيلة بإقناع المهنيين والناس عموما بأهمية كل ما جاء في مشروع مدونة السير.
غير أن الغاية لم تتحقق ويبقى الإضراب الذي كان قطاع النقل شهده، خير دليل ، ومن بين النقاط التي تثير حفيظة مستعملي الطرق، وليس المهنيين فقط، فضلا عن العقوبات الحبسية التي حولت ظِلّ كل السائقين إلى زنازن متحركة هناك السحب النهائي لرخصة السياقة، وإلزام من يستنفد رصيده من النقاط باجتياز اختبار السياقة من جديد.
اللافت للانتباه هو أن المسؤولين لم يستحضروا، على ما يبدو، صعوبات التطبيق، والمشاكل التي ستنجم عن تطبيق مشروع مدونة السير في حال المصادقة عليه دون أخذ آراء المهنيين بعين الاعتبار.
الاعتقاد السائد في أوساط المغاربة أن بلدنا سيصبح أول بلد عربي يعتمد نظام السحب النهائي للرخصة بعد استنفاد رصيد النقاط، لكن رحلة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في بحر الأسبوع الماضي أكدت خطأ الاعتقاد، لأن هذا البلد يطبق هذه السياسة
كان من الممكن ألا أعرف هذا الأمر لولا حادث أعتقد أنه سيصبح مألوفا في بلدنا في حال التطبيق.
فقد كنت على موعد مع الزميل الدكتور جمال المجايدة فلفت نظري أن الرجل تأخر على غير عادته، وحين عاد اعتذر، وقال إن التأخر خارج عن إرادته، وأن حادثا مروريا تسبب في عرقلة السير في أبوظبي.
قال الدكتور المجايدة إن شابا ارتكب أخطاء استنفد معها رصيده من النقاط ما استدعى سحب رخصة السياقة منه بصفة نهائية، غير أن ذلك الشاب الذي يجيد السياقة واستأنس بالسيارة لم يتمكن من الإذعان للعقوبة الزجرية، ولم يتخل عن سيارته وصار يسوقها رغم أنه لم يتوفر على رخصة السياقة.
وأشار إلى أن الشاب لاحظ وهو يسوق سيارته أن سيارة رجال الأمن تسير خلفه فاعتقد أنها تطارده بهدف استفساره عن رخصة السياقة، فضاعف السرعة بهدف الإفلات، ونتيجة الارتباك تسبب في حادث مهول.
لفت انتباهي ذلك الحادث وقلت لنفسي هذا الأمر ربما ليس في حسبان مستوردي خطة السير، فهل يعتقدون أن كل من سحبت منه الرخصة سيتوقف عن سياقة؟ فأجبت على عجل أن ذلك لن يحصل، خصوصا أن السؤال عن رخصة السياقة من قبل رجال الأمن والدرك لا يحصل في غالب الأحيان إلا في حال ارتكاب مخالفة، بل تذكرت أنه مع الأسف هناك من يسوق السيارة رغم عدم حصوله على رخصة السياقة.
الشاب الإماراتي لن يكون حالة شاذة بكل تأكيد، فطالما لدينا أناس يسوقون سيارات دون تأمين ولا يؤدون الضرائب فأكيد أنهم لن يتورعوا عن سياقة سياراتهم حتى بعد سحب رخص السياقة منهم.
فالشخص غير السوي لن يصلحه السحب النهائي للرخصة، وبالتالي سندفع الأشخاص عوض تقويم اعوجاجهم وثنيهم عن ارتكاب أخطاء ربما تكون بسيطة، (سندفعهم) إلى ارتكاب أفعال يجرمها القانون، وهذا أخطر .