خلفت التفجيرات الانتحارية، التي شهدتها الدار البيضاء يومي 11 مارس و10 أبريل المنصرمين، حيرة كبيرة لدى عموم المواطنين، والمتخصصين في علم النفس والعلاج البسيكولوجي، بسبب العجز عن فك لغز المراحل النفسية، التي يمر منها الانتحاريون، ليصبحوا عقولا لا ترهب الموت
وأثار هذا الموضوع الكثير من الجدل والنقاش وسط المغاربة، إذ ظل السؤال حول الأساليب الفنية، التي يستند عليها أمراء الدم، أو متزعمو الخلايا الانتحارية للسيطرة على عقول الشباب، والتحكم فيهم لتفجير أنفسهم وقتل أبرياء، بدون جواب نهائي ومقنع، إذ يرجح عموم الناس إمكانية سقوط الانتحاريين ضحية عملية "غسل الدماغ«، بينما يظل المتخصصون في علم النفس مختلفين حول هذه التقنية ونجاعتها في جميع الحالات، في الوقت الذي يتفقون فيه حول مسألة خضوع هؤلاء لعملية "إخضاع نفسي"، وتأثير على الأفكار والمعتقدات.
وأكد عمر بطاف، طبيب متخصص في العلاج النفسي في مستشفى الأمراض النفسية بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد في الدار البيضاء، أن المعالجين النفسانيين يختلفون حول مدى مطابقة عملية "غسل الدماغ" للأساليب العلمية المتعارف عليها في الأبحاث الطبية، إذ أكثرهم يصفها بأنها عملية "غير ممكنة، وغير موجودة بالشكل، الذي يتصوره أغلب الأشخاص، إذ يعتقدون أن الدماغ يخضع لعملية تطهير".
وبرر بطاف، في تصريح لـ"المغربية" اختلاف المتخصصين حول هذا الموضوع إلى تعدد أساليب تطبيق عملية »غسل الدماغ«، وصعوبة تطبيقها، ولتشكيكهم في نجاعة تنفيذها بالنسبة إلى جميع الأشخاص، إذ أن »نجاحها محدود ومحصور لدى مجموعة ضيقة من الأشخاص، الذين يتوفرون على خصائص وحالات نفسية معينة، تجعلهم أكثر استعدادا للسقوط في الشحن، وتقبل الأفكار الجاهزة".
وأفاد عمر بطاف أن عملية "غسل الدماغ" تحتاج إلى توفر منفذيها على احترافية معينة، وتملكهم لنوع من"الذكاء الاجتماعي" وتمتعهم بنوع من الكاريزمية، يستطيعون بواسطتها السيطرة على عقول الأشخاص.
واعتبر بطاف، بالمقابل، أن عملية الإخضاع النفسي من أقوى الأسلحة لتغيير الاتجاهات، والتأثير الفكري والنفسي، وإحداث تغير ذهني كامل لدى الشخص نحو وضع أو موقف معين، لأنها "تعمل على تغيير نفسية ومبادئ الشخص بشكل كلي بما يخالف طباعه السابقة، وغالبا ما تكون معاكسة تماما لما يجري في وسطه العائلي ومجتمعه".
وأبرز الاختصاصي في العلاج النفسي أن نجاح أو فشل عملية "غسل الدماغ" رهين بالحالة النفسية للشخص المستقطب، وخصوصياته الاجتماعية والثقافية، ومحيطه العام، إذ "كلما تزامنت مع وجوده في ظرف دقيق وحالة نفسية مهتزة، كلما أصبحت العملية أكثر نجاعة وفعالية، بسبب ما يجد فيها من إجابة على الكثير من انتظاراته وتساؤلاته، سيما إذا استخدمت تقنية اجترار الماضي وتهويله".
ورجح بطاف أن يكون زعماء الخلايا الإرهابية، يعتمدون في عملية الاستقطاب على تقنية الاقتراب من مداخل شخصية المستقطب، وفك رموز تركيبته الخاصة، والتركيز على عامل الشدائد النفسية والعاطفية لديه كمرحلة أولى، يتبعها بعد ذلك مرحلة ثانية لبداية الإخضاع النفسي، تتمثل في عملية قطع الصلة بين المستقطب ومحيطه، وعزله عن عائلته أو محيطه المهني، لتسهل عملية توطيد العلاقة بينه وبين جماعته الجديدة، سعيا وراء أن تكون أكثر حميمية وتتميز بالقوة.
وأضاف أن عملية غسل الدماغ "لا يقتصر نجاحها عند الأشخاص الذين لا يتوفرون على إمكانات مالية أو مؤهلات تعليمية، إذ يمكن أن تمس حتى أبناء الميسورين والمتعلمين" مبينا أن نجاحها بين أفراد العائلة الواحدة دليل على وجود قواسم مشتركة بين هؤلاء، إذ يتبادلون الانشغالات والهموم نفسها.
وتكمن خطورة عملية الإخضاع النفسي، التي تجري داخل الخلايا الانتحارية، حسب ما عبر عنه عمر بطاف، في أنها »تذهب مشاعر الخوف من الموت لدى الشخص، فتجعله أكثر تقبلا لتلك النتيجة، والاستخفاف بها، وجعلها شيئا تافها في اعتقادهم، وهو ما يحير علماء النفس في التوصل إلى فك أسرار قدرة الجهات المستقطبة لبلوغ هذه المرحلة من الإخضاع النفسي«، مبينا أنه من الممكن جدا أن تتسبب هذه الظاهرة في ظهور قطيعة إبستمولوجية في علم النفس، لفهم وإدراك ما يقع في دماغ هؤلاء المنتحرين.
وأشار بطاف إلى أن أسلوب الإخضاع النفسي، هو أسلوب علمي معروف في الطب النفسي، يجري توظيفه في مختلف مناحي الحياة الإيجابية، إذ يطبق في مجال الدعاية الإشهارية ومجال التجارة، ويعرف بأنه فن الاقناع باستعمال الكلمة الدقيقة، وبأنه ممارسة خفية للإقناع الفكري ليقبل المستهلك على شراء البضاعة ولاستقطاب الزبائن والمشترين.
كما توظف هذه التقنية في المجال العسكري والاستخباراتي، لتيسير مهمة العاملين فيها، وضمان تفانيهم في عملهم وتنفيذها وفق ما هو مطلوب منهم.
يشار إلى أن مصطلح"غسل الدماغ"ظهر بعد أن وضعت الحرب الأميركية الكورية أوزارها في سنوات الخمسينيات، إذ عاد الجنود الأسرى الأميركيون إلى بلدهم، فتبين لمسؤوليهم أنهم رجعوا بأفكار مغايرة للتي كانوا يعتقدونها، سيما بعد أن أبدوا إعجابهم وامتنانهم لمعاملة الكوريين لهم، ما دفع بهؤلاء المسؤولين إلى التفكير في وقوع الجنود تحت تأثير غسل الدماغ .
وأطلق هذه التسمية أميركي أخصائي في علم النفس.