تحتفل الأسرة الملكية ومعها الشعب المغربي، اليوم الثلاثاء، بالذكرى الرابعة لميلاد ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن.
الذي كانت وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، زفت إلى الشعب المغربي بشرى ازدياد سموه في القصر الملكي في الرباط، صباح يوم الخميس ثامن ماي 2003، وطبقا لما ينص عليه الدستور المغربي، حمل سموه لدى ولادته لقب ولي العهد، باعتباره المولود البكر للملك، وشكل هذا الحدث السعيد مناسبة أخرى من مناسبات توحد الأسرة الملكية وكافة فئات ومكونات الشعب المغربي في الفرح، الذي يترجم علاقة العرش بالشعب، المبنية على التعلق والوفاء والحب المتبادل.
وجاء البيان الصادر عن القصر الملكي، وتلاه عبد الحق المريني مديرالتشريفات والأوسمة، الخبر السعيد إلى الشعب المغربي إن "المولود ميمون الطالع ازداد في تمام الساعة السادسة وأربعين دقيقة من صباح يوم الخميس 6 ربيع الأول 1424 هجرية، الموافق لـ 8 ماي 2003 ميلادية".
وارتأى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أن يسمي ولي عهده، صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، تيمنا بهذا الاسم الجليل، الذي حمله والده صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، وجده الأكبر المولى الحسن الأول، ابن السلطان محمد الرابع.
ولاسم "الحسن" رمزية تاريخية كبرى لدى الأسرة العلوية، التي تعاقب عليها في قيادة الدولة المغربية ملكان عظيمان حملا الاسم ذاته، الحسن الأول، ابن السلطان محمد الرابع، والحسن الثاني بن الملك محمد الخامس.
وقبل أربع سنوات، هلت على المغاربة بشرى ميلاد ولي العهد الأمير مولاي الحسن، ابن الملك محمد السادس.
عرف الحسن الأول بأن عرشه كان على صهوة جواده، لكثرة تنقلاته بين أرجاء البلاد، متفقدا أحوال وأوضاع العباد، ووصفه المؤرخ المغربي عبدالهادي التازي بأنه كان »فلتة من فلتات التاريخ«، اعتبارا »لذكائه ورؤيته السياسية ودهائه الدبلوماسي«، فضلا عن جهاده القوي في مواجهة المطامع الاستعمارية الأجنبية.
ومباشرة بعد الإعلان عن بشرى ازدياد صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، أطلقت المدفعية 101 طلقة احتفاء بالمولود السعيد، فيما شهدت ساحة المشور السعيد للقصر الملكي في الرباط، دقائق بعد ذلك، تدفق آلاف المواطنين، الذين جاؤوا للتعبير عن تهانئهم لجلالة الملك، ومشاركة الأسرة الملكية الشريفة أفراحها بميلاد ولي العهد.
وجاء حفل العقيقة، الذي نظم في 15 ماي 2003 ليتوج الاحتفالات، التي شهدتها مختلف ربوع المملكة بهذا الحدث السعيد.
ففي اليوم السابع على ميلاد الابن البكر لجلالة الملك محمد السادس، وفي يوم ميزته أجواء فصل الربيع بشمسه الدافئة، ونسيمه العليل، عرفت ساحة المشور للقصر الملكي استعراضا ضخما لـ »الهدية«، التي مثلت الجهات 16 للمملكة، إذ تقدمت الوفود بهدايا رمزية للعاهل الكريم، وقدمت لجلالته متمنياتها بالصحة والسعادة وطول العمر والنصر والتمكين، وداعية لصاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن بطول العمر والمستقبل الزاهر في كنف والديه.
فميلاد ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، شكل حدثا تاريخيا بالنسبة إلى الشعب المغربي، وعاشت مدن وقرى المملكة غداة الاحتفال بعقيقة سمو ولي العهد مولاي الحسن احتفالات شعبية ضخمة، وعمت الفرحة ربوع المملكة، وتحولت الساحات الكبرى والمؤسسات العمومية والخاصة إلى فضاءات للزينة وللتعبير عن مظاهر تشبث القاعدة بالقمة، ورفعت الأعلام الوطنية وصور صاحب الجلالة الملك محمد السادس وولي عهده مولاي الحسن.
من الرباط، إلى طنجة، فتطوان والناظور وفاس ومكناس والدار البيضاء، مرورا بمراكش وأكادير والعيون، وباقي المدن والقرى والمداشر المغربية، تبارى المواطنون المغاربة الأوفياء، داخل البلاد ومعهم الجالية المغربية في الخارج، في التعبير عن مظاهر الفرح والسرور بهذا الحدث السعيد، وامتدت الاحتفالات والتظاهرات إلى الساعات الأولى من الصباح، ثمانية أيام.
وحرص العديد من رواد الإنترنيت، على جعل صورة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وهو يحمل بين ذراعيه ولي عهده، على سطح حواسيبهم، وهي الصورة التي كان المغاربة يتسابقون للحصول عليها، والاحتفاظ بها في بيوتهم.
وعملا بالسنة الحميدة لأسلافه الميامين في مثل هذه المناسبة السعيدة، حرص أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، على أن تغمر الفرحة بيوت جميع فئات رعاياه الأوفياء، إذ أصدر جلالته أمره بالعفو عن 47 ألفا و988 فردا من نزلاء المؤسسات السجنية، رأفة بهم وإسعادا لأسرهم، من بينهم 409 من السجناء الأجانب حاملي جنسيات مختلفة.
وكان للمغاربة في أبريل 2005، موعد مع مناسبة أكثر عمقا في تاريخهم وتقاليدهم الإسلامية، إذ احتفلت الأسرة الملكية ومعها الشعب المغربي بختان ولي العهد مولاي الحسن، فعاشت مختلف ربوع المملكة أيام 13 و14 و15 أبريل من سنة 2005 على إيقاع الفرح المفعم بالاعتزاز بإشراك كافة المغاربة في هذه المناسبة، إذ أقيمت احتفالات مماثلة لتلك التي احتضنتها مدينة فاس الحاضرة الإدريسية، في كافة المدن المغربية، تزامن معها تنظيم عمليات ختان شملت الآلاف من الأطفال المغاربة في عمالات وأقاليم المملكة.
وكان جلالة الملك ترأس، بالمناسبة، في ساحة باب النحاس للقصر الملكي في فاس، حفل تقديم "الهدية"، تعبيرا عن تقاسم كافة أفراد الشعب المغربي الأفراح والمسرات مع الأسرة الملكية الكريمة.
وعكست هذه الاحتفالات، التي يشارك فيها المغاربة بعفوية وتلقائية، صورة المغرب، وعلاقة المغاربة بملكهم، لدى الرأي العام الدولي
ينص الدستور المغربي (1996) في بابه الثاني، الذي يضم 16 فصلا، والذي يتناول اختصاصات الملك وطريقة توليه العرش، على المقتضيات الخاصة بولاية العهد وظروف انتقال العرش.
وينص الفصل العشرون من الدستور، على أن"عرش المغرب وحقوقه الدستورية، تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا، من ذرية جلالة الملك الحسن الثاني، ثم إلى ابنه الأكبر سنا، وهكذا ما تعاقبوا، ما عدا إذا عين الملك قيد حياته، خلفا له ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا، فإن لم يكن ولد ذكر من ذرية الملك، فالملك ينتقل إلى أقرب أقربائه من جهة الذكور، ثم إلى ابنه طبق الترتيب والشروط السابقة الذكر".
وينص الدستور المغربي في فصله الحادي والعشرين، على شروط انتقال العرش في حالة عدم بلوغ ولي العهد سن الرشد، إذ "يعتبر الملك غير بالغ سن الرشد قبل نهاية السنة السادسة عشرة من عمره، وإلى أن يبلغ سن الرشد، يمارس مجلس الوصاية اختصاصات العرش وحقوقه الدستورية، باستثناء ما يتعلق منها بمراجعة الدستور، ويعمل مجلس الوصاية كهيئة استشارية بجانب الملك حتى يدرك تمام السنة العشرين من عمره".
ويوضح الفصل ذاته تركيبة مجلس الوصاية "يرأس مجلس الوصاية الرئيس الأول للمجلس الأعلى القضائي، ويتركب بالإضافة إلى رئيسه من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين ورئيس المجلس العلمي لمدينتي الرباط وسلا، و10 شخصيات يعينهم الملك بمحض اختياره.وتحدد قواعد سير مجلس الوصاية بقانون تنظيمي".
يرتبط اسم"الحسن" في المغرب بالجد الأول للأسرة العلوية الحاكمة، أي الحسن الداخل، الذي جاء إلى هذه البلاد قادما من ينبع، التي تعتبر اليوم الميناء الرسمي للمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية، ومن المغرب انطلق الحسن الداخل إلى الأندلس مجاهدا في سبيل إعلاء كلمة الله.
ومنذ قيام الدولة العلوية، قبل أزيد من ثلاثة قرون، تعاقب على حكمها ملكان عظيمان حملا اسم "الحسن" هما الحسن الأول بن السلطان محمد الرابع، والحسن الثاني بن الملك محمد الخامس.
عرف في حياته باسم السلطان مولاي الحسن، ولم يطلق عليه اسم الحسن الأول حتى تولى حفيده الحسن الثاني الحكم.
حكم المغرب على امتداد 21 سنة، وكان واحدا من سلاطين الأسرة العلوية العظام.
ويقول المؤرخ المغربي الدكتور عبد الهادي التازي إن الحسن الأول تكون في منطقة سوس الأمازيغية الجنوبية، إذ أسند إليه والده ولايتها وهو وليا للعهد، ويضيف أن الحسن الأول »كان فلتة من فلتات التاريخ«، وأن كل الباحثين والمؤرخين تحدثوا عنه بـ "حديث عطر لذكائه ورؤيته السياسية ودهائه الدبلوماسي".
وتولى الحسن الأول الحكم يوم 11 سبتمبر 1873 واستطاع أن يجاهد على عدة جبهات، فمن جهة واجه المطامع الاستعمارية الأوروبية، التي اتضحت جليا منذ عام 1880 مع مؤتمر مدريد، وتجسدت في زحف القوات الفرنسية، التي كانت تحتل الجزائر، للهيمنة على مناطق من الصحراء الشرقية.
وعلى الصعيد الداخلي، واجه الحسن الأول فلول العملاء والحركات التي كان الاستعمار يغذيها تمهيدا لتحقيق أهدافه، وجعل المغرب يحافظ على استقلاله في زمن المد الاستعماري، الذي كان يكتسح أجزاء كبيرة من القارة الإفريقية، كما جاهد لبناء المغرب العصري.
ورغم أن عاصمة البلاد كانت آنذاك هي مدينة فاس، نجد أن الحسن الأول اشتهر بأنه السلطان، الذي كان عرشه على صهوة جواده، لكثرة تنقلاته بين أرجاء البلاد، حتى أنه توفي عام 1894 وهو في طريق عودته من رحلة إلى المنطقة الشمالية الشرقية.
اختار الملك الراحل محمد الخامس لابنه البكر اسم مولاي الحسن، تيمنا بجده الحسن الأول، فجاء، كما تمنى والده، واحدا من أعظم ملوك الدولة العلوية، وأخلدهم أثرا
كما كان من أطولهم عمرا في سدة الحكم، إذ قضى 38 سنة على رأس الدولة المغربية
اشتهر الملك الحسن الثاني بمجموعة من الألقاب من بينها »موحد البلاد«، لأنه استرجع الأقاليم الصحراوية، التي كانت خاضعة للحماية الإسبانية، إلى الوطن الأم، من خلال تنظيم المسيرة الخضراء السلمية.
كما عرف باسم الملك الباني لإرسائه دعائم الدولة المغربية الحديثة، ففي عهده أصبح للمغرب دستور وبرلمان ومجالس بلدية.
كما رسخ مبدأ التعددية الحزبية والنقابية.
ومن الألقاب، التي كان يعتز بها، لقب"باني السدود" لاهتمامه المبكر بأهمية الماء وتخطيط سياسة بناء السدود الكبرى، التي تجاوزت المائة سد وهو المجهود، الذي اعترف له به المجتمع الدولي بتبنيه لـ "جائزة الحسن الثاني الكبرى للماء".
وفي عهد الحسن الثاني، جرى تعميم التعليم وتعريبه، كما جرى إحداث عشرات المؤسسات الجامعية في أهم الاختصاصات الفكرية والعلمية في مختلف أرجاء البلاد، ووسع الملك الراحل دائرة الإشعاع المغربي، فرعى مجموعة من مؤتمرات القمة العربية والإسلامية، وكان من المدافعين عن الوحدة الإفريقية.
كما كانت له مكانة خاصة على الصعيد العالمي، جسدها العدد الضخم من قادة الدول، الذين رافقوا جنازته إلى مثواه الأخير صيف 1999 .