صحافيون تتقاذفهم طوابق المقر المحصن لولاية الأمن بالدارالبيضاء

مسؤولون يتمترسون وراء أبواب موصدة تغذي ترويج الإشاعة

الإثنين 07 ماي 2007 - 09:35

في التغطيات الإعلامية لحوادث الإرهاب الأخيرة، مثلما هو الحال في المجالس الخاصة والعامة للناس، في البيضاء وخارجها، لاحظ مراقبون كيف بات من السهل أن تجد الإشاعة طريقها نحو التضخم، وبث أخبار قد يعتريها نوع من المغالطات.

في ظل وجود إدارات ومسؤولين يوصدون أبوابهم في وجه الصحافيين، الذين يلزمهم الواجب المهني تحري الدقة، والتأكد مما يتوصلون به من معطيات، إذ يحدث أن يجروا الاتصالات الضرورية بالمصالح المعنية، فيجدون الأبواب أمامهم موصدة، ويرفض المسؤولون أحيانا حتى استقبالهم، وتعليل رفضهم تقديم ما لديهم من بيانات، وعندما تنشر المعطيات، التي كانت موضوع تحري الصحافي لديهم، تقوم القيامة أحيانا ولا تقعد، ويلقى باللوم على الصحافي، ويعبر المسؤول عن استغرابه لعدم اتصال الصحافي به، ويشدد على إرادته التواصلية، وأن باب مكتبه مفتوح بالطول والعرض، لمد الصحافي بكل ما يحتاجه من معطيات، وما إلى ذلك من كلمات وعبارات باتت معروفة ومملة وثقيلة، ينساها المسؤول ذاته، عندما تعاود طرق بابه، فتجده موصدا بالطول والعرض.

ولعل أبرز نموذج على ذلك، الصعوبة التي بات يواجهها أخيرا الصحافيون في ولوج ولاية الأمن بالدار البيضاء، الذي يعرف إجراءات مشددة منذ الأحداث الإرهابية الأخيرة، من أجل التحري عن أخبار توصلوا بها، أو أخذ إحصائيات، أو التأكد من معطيات تواترت إليهم من مصادر غير رسمية.

وحدث أن زارت "المغربية"، يوم الاثنين المنصرم، مقر ولاية أمن الدار البيضاء، بغية التأكد من عدد الاعتقالات، التي وقعت خلال مباراة كرة القدم، التي جمعت فريق الوداد البيضاوي ومتزعم الترتيب أولمبيك خريبكة، بمركب محمد الخامس، وكذا الوقوف على حجم الخسائر المادية التي سجلت، بعد تجميع المعطيات.

بيد أن المسؤولين بولاية الأمن، لأسباب تجهل دوافعها، أحجموا عن الإدلاء بأي معطيات بهذا الخصوص، بل وصل الأمر إلى حد الامتناع عن استقبال الصحافي الذي طرق أبوابهم
لنبدأ الحكاية من البداية : بعد المرور من الكاشف المثبت ببوابة الولاية، ضمن الاحتياطات الأمنية، التي أضحت اعتيادية، قصد صحافي »المغربية«، حوالي التاسعة والنصف صباحا، الشرطية المكلفة بالاستقبال، وبعد الإدلاء بالبطاقة المهنية، وإطلاعها على سبب الزيارة، بدت الشرطية محتارة إلى أي وجهة سترسل الصحافي، خمنت قليلا في الأمر، وبعد اتصال سريع بسكرتارية نائب والي الأمن، وجهت الصحافي نحو الطابق الرابع، حيث مصلحة الاستعلامات، بعد مده ببادج، واحتفاظها بالبطاقة.

التحق الصحافي بالطابق الرابع، وكانت خيبة أمله كبيرة، بعدما أخبره أحد العاملين بالسكرتارية أن المصلحة لا علاقة لها بالموضوع، وأن عليه اللجوء إلى الطابق الثاني
نزل الصحافي إلى الطابق الثاني، والأمل كبير في أن يجد مبتغاه هناك، لكن تبين أن طوابق الولاية لا تختلف عن بعضها، وجرت الرياح بما لا تشتهيه السفن، إذ أن المسؤول هناك قذف بالصحافي إياه من جديد إلى الطابق السادس، وتبرأ من الموضوع برمته، وقال »لا علاقة لنا بهذا الأمر".

عاد الصحافي أدراجه خائبا إلى الشرطية المكلفة بالاستقبال، كانت غارقة في زحمة الاتصالات والطلبات، إذ تحلق حولها عدد كبير من المواطنين، بين من يريد استلام البادج للالتحاق بمصلحة معينة، وبين من يريد استرجاع بطاقته الوطنية بعد قضاء غرضه، إلى أن وصل الدور على الصحافي، الذي كان ثاني اثنين بقيا في الانتظار، والآخر سيتبين أنه مواطن مغربي أعيد إلى المغرب، بعد ضبطه دون أوراق في إحدى الدول الأوروبية.

تنفس الصحافي الصعداء وهو يقف مجددا أمام موظفة الاستقبال، التي كانت تطل على الوافدين من خلف واقية زجاجية، فأخبرها أن مبتغاه لم يجده في الطابقين الرابع والثاني، وأن المسؤولين بهما وجهوه للاتصال بالطابق السادس.

كانت موظفة الاستقبال ترنو بعينيها هنا وهناك بحثا عن زميلتها، التي تأخرت في الالتحاق بها لمساعدتها، وبين هذا وذاك كانت تطلب سكرتارية نائب الوالي عبر الهاتف الداخلي، لأخذ التعليمات حول ما ستفعله مع الصحافي، غير أن خطوط السكرتارية كانت مشغولة، فتعود لتخاطبه »ها أنت كتشوف، الخطوط مشغولة، تسنى واحد الشوية«
طلب الصحافي الإذن بتسلم بادج للصعود إلى السكرتارية، والتحدث إلى المسؤولين مباشرة في الأمر، لكنها رفضت معللة السبب بضرورة أخذ »تعليمات«، لا يعرف أحد كنهها ومسطرتها، إذ في هذا الوقت ذاته، صعد إلى هناك عدد من المواطنين، من بينهم مواطن قال إنه صديق شخصي لنائب الوالي وجاء لزيارته، فيما ظل الصحافي، الذي جاء من أجل عمله للتأكد من معطيات أمنية، يضرب أخماسا في أسداس، ينتظر إلى أن تتمكن موظفة الاستقبال من ربط الاتصال.

مرت أكثر من ربع ساعة، وأفواج من المواطنين يقصدون الموظفة، التي كانت منغمسة بين عشرات البادجات والبطائق الوطنية، وفجأة تمكنت من ربط الاتصال بالسكرتارية، أعادت إخبارهم أن الطابق الرابع وجه الصحافي إلى الطابق الثاني، وهذا الأخير تبرأ من الاختصاص ووجهه إلى سكرتارية نائب الوالي، غير أن المسؤول، الذي كان يتحدث إلى الشرطية، رد ببرودة دم "أخبريه أن يرحل، وأنه لن يحصل على شيء".

فما كان من الشرطية، التي علت وجهها حمرة خجل، إلا أن تنفذ الأمر الآتي من الطابق السادس، وطالبت الصحافي بلباقة بإعادة البادج، وسلمته بطاقته المهنية، ولم يبق أمامه إلا الرحيل لأنه ضمنيا شخص غير مرغوب فيه".

هذه ببساطة قصة صغيرة من بين القصص الكثيرة، التي يواجهها الصحافي في الحصول على الخبر من مصدره، حتى لا يقع في المحظور، وينشر أخبارا قد تكون كاذبة.

والمثير أن بعض المسؤولين يحملون هواتفهم للاتصال بالجريدة بعد نشر خبر لم يرقهم، ويتحولون إلى "أساتذة مبرزين" يعطون الدروس في أخلاقيات المهنة، وواجب تحري الدقة والاتصال بالمسؤولين، المسؤولين أنفسهم الذين دائما يكونون في اجتماع، أو خارج المكتب، أو في مهمة، أو أن أجندته لا تترك له فرصة أن "يحك رأسه"، في حين قد يكون فقط يتلذذ بارتشاف قهوة، أو اتصالات هاتفية لأغراض شخصية، أو يفك ألغاز شبكة للكلمات المتقاطعة.




تابعونا على فيسبوك