يستحضر المجتمع الدولي كل ثالث ماي، اليوم العالمي لحرية الصحافة، الأهمية التي يكتسيها الإعلام بمختلف منابره، وكذا دور جنود مهنة المتاعب في خدمة الحقيقة، في الموعد السنوي الذي تضربه السلطة الرابعة.
واحتفاء بهذا المنبر، فإن حرية الصحافة وسلامة الصحافيين والإفلات من العقاب لمرتكبي الجرائم ضد الصحافيين، ستشكل المواضيع الرئيسية لليوم العالمي لحرية الصحافة، التي اختارت اليونسكو تسليط الضوء عليها خلال العام2007 .
ويعد تخليد هذه الذكرى، التي ترسي جسرا متينا بين رجال ونساء مهنة المخاطر، مناسبة للتذكير بالمساهمة التي يقدمها الصحافيون في عصر المعلومات، وخاصة في سبيل حماية حقوق الإنسان وتعزيز التنمية.
في العام 1993، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنه سيجري الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من ماي من كل عام، ليتذكر العالم بأن استقلالية وسائل الإعلام معرضة للتهديد في العديد من دول العالم بسبب الرقابة على الصحف وغيرها من وسائل الإعلام, وفي بعض الحالات تكون حياة الصحافيين أنفسهم مهددة وهم يعملون لإلقاء الضوء على القضايا التي تهم الرأي العام.
وتتمثل الغاية من هذا اليوم في الاحتفال بحرية الصحافة وتقييم هذه الحرية عبر العالم، والدفاع عن وسائل الإعلام ضد التهجم على استقلاليتها، وتكريم وتقدير الصحافيين الذين قضوا وهم يتقصّون الحقيقة.
وخلال الاحتفال هذه السنة باليوم العالمي لحرية الصحافة، تدعو اليونسكو جميع المشاركين إلى مناقشة التحديات المتزايدة لسلامة الإعلاميين، وتحديد الأخطار التي تواجه الصحافيين أثناء عملهم في مناطق الصراع التي تتعدد بؤرها، ودراسة مشكلة الإفلات من العقاب بخصوص الهجمات على الصحافيين، فضلا عن البحث عن إجراءات يمكن اتخاذها لزيادة سلامة الصحافيين.
فالعنف ضد الإعلاميين ومؤسساتهم، مازال يشكل أحد أكبر التهديدات التي تواجه حرية التعبير والصحافة.
وطبقا لتقارير منظمة (مراسلون بلا حدود)، قتل خلال العام الماضي، 75 صحافيا و32 من الطواقم الإعلامية، مما جعل العام 2006 الأكثر دموية على الإطلاق.
وبتزايد التحديات التي تطرحها العولمة، فإن الاهتمام بتطوير مهنة الصحافة ما فتئ يتزايد، بالنظر لإسهام هذه الأخيرة في إطار قضايا التنمية، إيمانا من المجتمع الدولي بدور السلطة الرابعة الموضوعية في تكريس الديمقراطية وخدمة الأهداف الإنمائية للألفية.
وبالمغرب، يعرف مجال الصحافة تطورا حثيثا انبثق عن دينامية شهدها المجتمع على مختلف الأصعدة، فكان من الضروري أن تواكب التحول وتتطورعلى مستوى مضمون الخطاب والدعامات الإعلامية التي تقدمه.
شهدت الصحافة المغربية نقلة نوعية طبعها تحرير القطاع السمعي البصري، وكذا منابر الصحافة المكتوبة، إذ أثثت عدد من القنوات التلفزية والإذاعية، وكذا عناوين الصحف والمجلات، فضاء المتلقي المغربي الذي شرع في الانفتاح على صحافة للقرب تعكس مفهوم الإعلام الذي يخدم اهتمامات المواطن.
ويشكل مشروع قانون الصحافة، الذي تجري مناقشته حاليا، موضع انتظارات مهنيي المجال الصحافي، كونه سيشكل أداة حديثة للتشريع تتماشى والتحولات الراهنة التي يشهدها المجتمع المغربي، بما يضمن حرية ممارسة مهنة الصحافة بالمغرب .
ولعل إحداث المجلس الوطني للصحافة واعتماد مقاربة جديدة للجرائم والجنح المرتكبة بواسطة الصحافة، ليعتبران أهم مستجدات مشروع القانون رقم07 - 15 المتعلق بالصحافة والصحافيين المهنيين الذي سيعرض على أنظار البرلمان.
هذا المشروع، الذي تشكلت أرضيته من خلال التشاور والاشتغال المشترك مع المنظمات المهنية الممثلة للصحفيين والناشرين، يروم بالأساس إضافة لبنة جديدة في سبيل تعزيز حرية الصحافة باعتبارها أحد دعائم تكريس الديمقراطية.
فإحداث مجلس وطني للصحافة، يبتغي بالأساس خلق هيئة مهنية مستقلة يمثل فيها بالتساوي كل من الصحافيين والناشرين والمجتمع المدني، سيسند إليه"النظر في قضايا تنمية القطاع وتحديثه، ووضع ميثاق لأخلاقيات المهنة، وممارسة اختصاصات تأديبية في حالة مخالفة القوانين وميثاق الأخلاقيات".
أما اعتماد مقاربة جديدة للجرائم والجنح المرتكبة بواسطة الصحافة، فإن ذلك سيتأتى أساسا من خلال الدور الوقائي الذي سيضطلع به المجلس الوطني للصحافة.
كما يتسم مشروع القانون، بحذف جل العقوبات الحبسية الواردة في النص الحالي، واستبدالها بعقوبات مالية رادعة تحفظ حقوق الأفراد والجماعات والمؤسسات, والتقليص من المدد القصوى والدنيا للعقوبات، وفسح المجال أمام القضاء للاختيار بين العقوبة الحبسية أوعقوبة الغرامة, وإعمال ظروف التخفيف في كل الحالات المنصوص عليها في المشروع.
وتعتبر العديد من الأوساط المهنية أن المسؤولية التي ستلقى على عاتق المجلس الوطني للصحافة، تتمثل بالأساس في تنظيم المهنة ومنح بطاقات الصحافة بناء على معايير محددة ووضع برامج التكوين وآليات تمويلها ومعالجة الأوضاع الاجتماعية للصحافيين، ومواجهة التحديات الجديدة التي يثيرها تطور العمل الصحفي سواء على المستوى الوطني أو الدولي.
ويشير يونس مجاهد، الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، إلى وجود أجيال جديدة من أشكال خرق أخلاقيات الصحافة، وتهم على الخصوص توجيه التهم بدون دلائل أو إيرادها على لسان أطراف أخرى، وتمرير أخبار وتعليقات بشكل غير متوازن تجاه جهة بذاتها، والمس بالحياة الشخصية للناس, ونشر تعاليق متخيلة على صور حقيقة, وإجراء استجوابات افتراضية، والقرصنة والمس بحقوق بعض الفئات، كالمرأة والطفل والدعوة للكراهية والعنصرية.
ولضمان احترام أخلاقيات المهنة، يضيف مجاهد, فيتعين العمل على تأهيل أداء المؤسسات الصحافية من خلال توضيح خط التحرير، وسن ميثاق ومجلس التحرير, وخلق منصب "الوسيط" داخل الصحيفة، والإهتمام بالتكوين والتكوين المستمر للصحافين, بالإضافة إلى تحديث آليات العمل، وإرساء الشفافية داخل المؤسسات الصحفية, واحترام حقوق الصحافيين.
وإجمالا, فإن السعي نحو المصادقة على قانون جديد يقنن مهنة المتاعب بالمغرب، يرمي بالأساس إلى معالجة مختلف المقتضيات المنظمة للمهنة، وإقرار جملة من المبادئ العامة المعمول بها في قانون الصحافة المقارن وفي مواثيق أخلاقيات المهنة، كما يعزز ضمانات حق النشر، والحق في الوصول إلى مصادر الخبر، ويغني ويدقق حقوق الصحفي المهني وواجباته.
وإن تخليد اليوم العالمي لحرية الصحافة بالمغرب, ليشكل وقفة نابعة من الحاجة الملحة لرصد التحولات الكبرى التي تسم المشهد الصحفي, لرفع التحديات التي تطرح على مهنة المتاعب.
(و م ع)