صادق مجلس الأمن بالأمم المتحدة، يوم الاثنين المنصرم، على قرار قطيعة لا يقتصر على تمديد ولاية المينورسو، لكنه يرسم طريق الحل السياسي النهائي المقبول من جميع الأطراف ويكرس التفاوض وسيلة وحيدة من شأنها أن تسمح بالتوصل لحل نهائي.
ويأتي هذا النص الذي لا يشير قط، للقرار رقم 1495 الصادر في يوليوز2003، المتعلق بمخطط بيكر الثاني، ليعزز جهود المملكة المغربية من خلال تقييم متميز للمبادرة المغربية يختلف عن ما سمي بمقترح "بوليساريو" والاعتراف بـ "الجهود المغربية المتسمة بالجدية والمصداقية والرامية إلى المضي قدما بالعملية صوب التسوية".
والإشارة بوضوح إلى ضرورة أن تأخذ المفاوضات »في الحسبان التطورات الحاصلة على مدار الشهور الأخيرة« والتي تميزت بالخصوص بمسلسل بلورة المبادرة المغربية والترويج لها ووضع اللمسات الأخيرة عليها.
ويعتبر هذا القرار تتويجا لمنهجية شاملة، مطبوعة بأسلوب ومنهجية صاحب الجلالة، الملك محمد السادس، سواء على المستوى الداخلي من خلال دمقرطة تدبير هذا الملف بالخصوص، وإرساء المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، والمقاربة التشاركية في بلورة هذه المبادرة، والتنمية السوسيو اقتصادية للأقاليم الجنوبية، أو على المستوى الخارجي، من خلال استشارات العديد من العواصم بناء على مصداقية المقاربة والدقة في الإعداد و الجدية في الالتزام.
وتشكل الإصلاحات العميقة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، والمشروع المجتمعي المنفتح والحداثي والديمقراطي الذي أطلقه جلالته، نموذجا بالنسبة إلى المنطقة برمتها، ومؤهلات تعزز مصداقية المبادرة المغربية، ووضعها كشريك جدي وفعال لرفع التحديات الرئيسية المتعلقة بالأمن الإقليمي والدولي.
فخلال السنوات الأخيرة، كان المغرب يدعو على الدوام إلى إيجاد حل سياسي مقبول من قبل الجميع وأبان دائما عن انفتاح.
وبالطريقة نفسها التي استجاب بها لدعوة مجلس الأمن لتجاوز المأزق (من خلال المبادرة المغربية)، فإن المملكة المغربية مستعدة للرد بإيجابية على دعوة مجلس الأمن لمفاوضات بنية حسنة لوضع حد لهذا النزاع.
ويأمل المغرب المستعد سياسيا وقانونيا وتقنيا لهذه المفاوضات، في أن تكون باقي الأطراف قادرة على اغتنام هذه اللحظة التاريخية لوضع حد لهذا النزاع.
- المبادرة المغربية مطابقة لمبدأ تقريري المصير وبالفعل، فإن الحكم الذاتي عندما يكون ثمرة مفاوضات واستشارات فإنه يكون مطابقا تماما لروح ونص ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة والممارسة الأممية في مجال تقرير المصير.
وفي إطار المبادرة المغربية، فإن وضع الحكم الذاتي بالمنطقة، الذي سينبثق عن المفاوضات بين الأطراف، سيعرض لاستشارة حرة للسكان المعنيين.
وستشكل المصادقة على وضع الحكم الذاتي، التي ستعمل كافة الأطراف المعنية بحسن نية من أجلها، في حد ذاتها ممارسة للحق في تقرير المصير من طرف سكان الصحراء .
وجدير بالذكر في هذا السياق بتصريح المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في الصحراء بتير فان والسوم الذي حسم الجدل حول المدلول القانوني لمبدأ تقرير المصير الذي جعله البعض ببساطة مرادفا للاستقلال.
وقال"أنا مع الذين يرون أن تقرير المصير ليس مرادفا بالضرورة للاستقلال ".
"وأود فقط أن أبين بأن تقرير المصير لايجب أن يعني بالضرورة الاستقلال".
ويؤكد المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بذلك، أن المفاوضات إحدى الوسائل الملائمة للتعبيرعن تقرير المصير كيفما كان شكل ومضمون الاتفاق الذي تتمخض عنه المفاوضات.
وتعززت المبادرة المغربية التي سبق وأن حظيت بدعم واسع من المجتمع الدولي، أخيرا برسالة للكونغرس الأميركي بعث بها إلى الرئيس الأميركي جورج بوش يحثه فيها على"تبني المبادرة حتى تحظى بالاهتمام الضروري، وذلك للوصول إلى مصادقة دولية عليها".
وكانت لهجة رسالة الكونغرس واضحة ولا يكتنفها غموض، وتقدم دعما قويا للمبادرة المغربية التي وصفها بـ "الواعدة والتاريخية والقائمة على الابتكار، والتي توفر إطارا واقعيا لإيجاد حل سياسي متفاوض بشأنه للنزاع حول الصحراء".
وتتضمن الرسالة اعترافا بكون هذه المبادرة تشكل"توافقا تاريخيا وفرصة مجددة لإيجاد حل سياسي دائم"، مؤكدة أن »دعم الولايات المتحدة الأميركية أساسي لإنجاح تفعيل هذه المبادرة".
وتؤكد هذه الرسالة، أن المبادرة المغربية تمثل جوابا ملائما للتهديدات والتحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة، وفرصة لإحياء بناء صرح المغرب العربي.
وجاء في الرسالة "في الوقت الذي توسع القاعدة ومجموعات إرهابية أخرى من وجودها بشمال إفريقيا، نعرب عن قلقنا من كون عدم تسوية هذا النزاع، الذي دام أزيد من 30 سنة، يشكل تهديدا للأمن الأميركي والإقليمي، كما يخلق حاجزا أمام الاندماج الاقتصادي لاتحاد المغرب العربي".
وأضافت الرسالة أن عدد الموقعين (قرابة 170) يكتسي أهمية كبرى، ويعكس انخراطا واسعا في المبادرة المغربية، متجاوزا بذلك الانقسامات السياسية التقليدية داخل الكونغرس، على اعتبار أنه يوجد ضمن الموقعين قياديون في الأغلبية والمعارضة.
كما أن للمناصب التي يشغلها الموقعون دلالة مهمة على أكثر من صعيد، فـ 60 في المائة من الموقعين من رؤساء وأعضاء اللجان، التي تلعب دورا أساسيا في عملية اتخاذ القرار داخل الكونغرس، بالإضافة إلى أن رئيس لجنة الشؤون الخارجية ذات النفوذ، و قياديي الحزبين من بين الموقعين على الرسالة.
وتأخذ الرسالة بعدا خاصا إذ أنها تشكل تعبيرا عن تطابق في مواقف الإدارة والكونغرس الأميركيين، في ظرفية سياسية خاصة تجتازها الولايات المتحدة الأميركية
وهكذا انبثقت رؤية مشتركة إزاء هذا الملف على مستوى أهم مراكز اتخاذ القرار بالولايات المتحدة الأميركية.
بعد الأمين العام للأمم المتحدة، أقدم مجلس الأمن، الذي تبنى يوم الاثنين المنصرم، قرارا حول الصحراء، على إقبار مخطط بيكر الثاني، الذي شكل أساس مايسمى باقتراح "بوليساريو".
هذه هي المرة الأولى، منذ يوليوز2003، التي لا يتطرق فيها مجلس الأمن إلى القرار1495(يوليوز 2003) المتعلق بمخطط بيكر الثاني.
فبعد أن جدد المجلس دعوته للأطراف ولدول المنطقة لمواصلة تعاونها التام مع الأمم المتحدة، حث هذه الأطراف كذلك، على التعاون فيما بينها لوضع حد للمأزق الحالي، وبذلك فإن المجلس يشير بشكل مباشر إلى دور الجزائر ومسؤوليتها في مسلسل التعاون هذا.
إن المجلس، وقد أحيط علما بالمبادرة المغربية، فإنه يرحب بجهود المغرب التي وصفها بالجدية وذات المصداقية للمضي قدما نحو تسوية نزاع الصحراء، مما يعني أن المجلس يعتبر أن المبادرة المغربية تشكل السبيل الواقعي والملائم لتسوية سياسية ونهائية لهذا النزاع.
وفي المقابل، فإن المجلس اكتفى فقط بالإشارة إلى أنه أحيط علما بما يسمى"اقتراح" بوليساريو .
ومن جهة أخرى، فإن المجلس حسم بشأن السبيل الذي يتعين نهجه لحل نزاع الصحراء
ويتعلق الأمر بفتح مفاوضات، الأمر الذي يصب فى روح ومضمون وأهداف المبادرة المغربية.
كما أن ورود عبارة »النية الحسنة« في قرار المجلس، وهي عبارة تضمنتها المبادرة المغربية, يلزم ضمنيا، الأطراف الأخرى بالشروع في مفاوضات مفيدة وبناءة.
وتحيل الإشارة إلى »التطورات الحاصلة على مدار الشهور الأخيرة« في القرار 1754، على مسلسل المشاورات التي جرت على الصعيد الوطني والدولي، لإعداد وصياغة المبادرة المغربية.
وبربطه المفاوضات بتقرير المصير، فإن المجلس يزكي، على المستوى القانوني، مسطرة ممارسة تقرير المصير عبر التوافق التي اقترحها المغرب في مبادرته
كما ترسخ الفقرة الرابعة من الجانب التدبيري لقرار مجلس الأمن، الفصل بين الجوانب التقنية الخاصة ببعثة (المينورسو) التي جرى تمديد ولايتها ستة أشهر، والجوانب السياسية، أي المفاوضات التي يتعين أن تشكل موضوع تقرير في غضون شهرين.