مناخ اجتماعي متشرذم وتناسل النقابات كالفطر في فاتح ماي المغربي

أجراء يفضلون اللجوء إلى المقاهي على الانخراط في المسيرات

الإثنين 30 أبريل 2007 - 20:21

خلدت الشغيلة المغربية، أمس الثلاثاء فاتح ماي، العيد العمالي العالمي، في مناخ نقابي مطبوع بالشتات والتشرذم.

فالتنظيمات النقابية لم تعد تغري أحدا، وأضحت عاجزة عن الاستقطاب والنهوض بدورها التأطيري للشغيلة، لتستمد من أعدادها المنتمية إليها القوة والقدرة على استعراض العضلات، وفرض ما تراه "مطالب مشروعة"، والتصدي لما تعتبره "هجومات الباطرونا المتوحشة".

الكثير من أجراء القطاعين العام والخاص لا يكادون يرون في فاتح ماي إلا يوم عطلة، يستثمر لتفسيح العائلة، أو قضاء أغراض البيت، أو اللقاء مع الأصدقاء للعب الورق، أو"تقرقيب الناب"، أو البحلقة في مؤخرات فتيات وصدور نساء يتعمدن المشي بتأن وغنج وخيلاء، أمام مقاهي الرصيف، متباهيات بما يستثيرونه في الرجل من عبارات التحرش والغزل.

وبعيدا عنهم وعنهن، يخرج مئات، أو حتى آلاف المتظاهرين (أينهم من ملايين الأجراء)، تجوب شوارع مرسومة، في مسيرات تغيب عنها الحرارة، وترفع شعارات باردة، شفوية ومكتوبة، تكاد تصدق على كل زمان ومكان، إذ لا يكلف المسؤولون النقابيون أنفسهم عناء تحديثها لتواكب تطورات المرحلة، فالشعارات التي قرأناها أو سمعناها في فاتح ماي سنة 2000، هي ذاتها سنة 2006، وهي عينها سنقرأها أو سنسمعها في 2007 .

وما عاد الناس يفهمون معنى للتشرذم النقابي عندما يجدون هذه الشعارات تتشابه حرفيا لدى مختلف النقابات، التي أصبحت تتناسل كالفطر، ماجعل الساحة الاجتماعية شبيهة بما يجري على الساحة السياسية، من تفريخ للأحزاب، فمثلما تظهر أحزاب جديدة لا يكاد المغاربة يعرفون أسماءها إلا في الانتخابات، كذلك الحال في فاتح ماي، الذي قد يكون الفرصة الوحيدة ليسمعوا فيها أسماء بعض النقابات.

وتصبح هذه الصورة أكثر دراماتيكية بتدخل الأحزاب، التي تنزل بشتاتها على النقابات، وتوزع أشلاءها على التظاهرات.

فالاتحاد الاشتراكي سيتقدم صفوف الفدرالية الديمقراطية للشغل، وحليفه اللذود حزب الاستقلال في الاتحاد العام للشغالين، وحليفه الرفاقي الآخر حزب التقدم والاشتراكية في الاتحاد المغربي للشغل، فيما الرفيق المعارض الحزب الاشتراكي الموحد، حائر من رأسه إلى رجليه، بعض منه في الكونفدرالية، وبعض في الفيدرالية، تماما مثلما يتوزع النهج الديمقراطي بين الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية، التي يأخذ بخناقها المؤتمر الوطني الاتحادي، بعد خروجه من الاتحاد الاشتراكي.

والمنحى ذاته، بصيغة أخرى، ستميز هذه السنة، التي سيتقدم فيها الحزب الاشتراكي صفوف المنظمة الديمقراطية للشغل، بعدما ضرب رفاق بوزوبع الطاولة على رفاق الأموي، وآثروا أن يتركوا لهم الجمل بما حمل.

وإذا كانت لأغلبية الأحزاب نقاباتها، إلا "العاجزة"منها عن صنع ذلك، فإن الحزب العمالي، الذي سيكون ظاهرة انتخابات 2007، يعاكس اسمه، إذ ليست له نقابة بعد، ولا يشكل العمال، الذين باتوا صفة لهذا الحزب، موقعا ذا بال، ضمن مكونات رفاق بن عتيق، الذين لا يعرف مع أي نقابة سيخرجون، وإن كانت التقديرات تشير إلى الكونفدرالية، كما لا يعرف أحد ما إذا استقر رأيهم على تمييز أنفسهم بالمشي حفاة.

ومثلما أضحى الانتظام في النقابات لايكاد يغري أحدا، كذلك الحال في خطابات فاتح ماي، التي باتت محاورها معروفة ومكرورة، بما في ذلك المختلف منها، الذي يميز هذه النقابة أو تلك، فالكونفدرالية ستعاود التغزل بجطو، وتمدح نزاهته وإنجازاته وفعاليته، وستجدد التأكيد على أنه سيحل كل مشاكل العمال المستعصية، بينما ستلعن باقي وزراء حكومته، معتبرة إياهم أصل الداء.

وفيما سيوجه الاتحاد المغربي للشغل غضبه نحو فتح الله ولعلو، معتبرا إياه مصدر كل مصائب الشغيلة المغربية، سيستثمر الاتحاد الوطني للشغل تظاهرة فاتح ماي لتصفية الحساب مع كل من يعتبره حزب العدالة والتنمية خصومه السياسيين والدينيين
وبين هذا وذاك، لا يكاد يخفى على المراقب أن الوضع التنظيمي للنقابات المغربية يترنح للانهيار، ولا واحدة منها قادرة على المبادرة إلى وقفة تأمل في واقع الحال، وإجراء مراجعة لطرق اشتغالها، والبحث عن سبل الخروج من أزماتها، وبالمقابل نجدها تفضل الهروب إلى الأمام، والتستر على ضعفها، ورفض الكشف عن أعداد منخرطيها.

في العقود السابقة، عندما كانت مركزية، أو مركزيات نقابية تخوض إضرابا عاما، كانت الدنيا تقوم ولا تقعد، وتستنفر الدولة كل أجهزتها الأمنية.

واليوم، ما عادت النقابات قادرة على أن تحرك"دجاجة على بيضتها"، حتى أضحى زعماؤها، عندما يلوحون اليوم بقبضاتهم في خطبهم النارية، مثار شفقة ورثاء
عجيبة، والأعجب أن تجعل تحولات الساحة الاجتماعية من هؤلاء مجرد زعماء من ورق، تخلوا عن قبضاتهم وعن شجاعتهم في قراءة وتدبر الأرقام الدراماتيكية لنتائج الانتخابات المهنية الأخيرة لسنة 2003، إذ أن نسبة مناديب العمال غير المنتمين، الذين انتخبوا في القطاع الخاص، بلغت 53 في المائة، أي أن أزيد من نصف مناديب العمال ليس لديهم انتماء نقابي.




تابعونا على فيسبوك