وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس رسالة سامية إلى المشاركين في أشغال المناظرة السابعة للسياحة التي انطلقت السبت بمدينة فاس .
" الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه, حضرات السيدات والسادة, يطيب لنا أن نتوجه اليكم في افتتاح أشغال المناظرة السابعة للسياحة ,التي أضحت موعدا دوليا هاما يلتئم ببلادنا معربين في البداية عن خالص التنويه بكل الفاعلين في ميدان السياحة المغربية الذين مافتئوا يبذلون الجهود الحثيثة من أجل إقلاع هذا القطاع باعتباره رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والترابية ببلادنا.
وإن الاستراتيجية السياحية للمغرب التي تنطلق من رؤية2010 قد بلغت مرحلة متقدمة من النضج وهي في طور التحول الى واقع ملموس بحيث قطعت أشواطا مهمة بعد مضي ست سنوات على انطلاقتها. ولا أدل على ذلك من الطفرة النوعية التي حققتها مختلف مؤشرات القطاع السياحي الوطني سواء من حيث عدد السياح الوافدين أو من حيث مستوى طاقات الاستقبال على الرغم من ظرفية دولية لم تكن دائما مواتية .
وإننا لنسجل بارتياح كون مجموع المحطات السياحية المندرجة ضمن المخطط الازرق قد تم إرساء تدبيرها المفوض حيث يوجد معظمها في طور أشغال التهيئة والإنجاز. وفي هذا الصدد يعد المخطط الازرق مبادرة مبتكرة من قبل الدولة لا تقتصر مزاياها على تحقيق الاهداف الكمية المتوخاة فحسب بل إن المقاربة المعتمدة في هذا المخطط الطموح قد فتحت المجال أمام دينامية تلقائية تدل عليها نوعية المشاريع المقترحة التي تقدم بها الفاعلون الخواص كما هو الشأن بالنسبة لمواقع جديدة ومنها كلا اريس وتامودا باي وواد شبيكة والداخلة.
وفي نفس السياق فإن عددا من المدن والوجهات السياحية التقليدية تنخرط حاليا في مشاريع لاعادة التأهيل الحضري والسياحي مرتكزة في ذلك على الآلية التعاقدية لمخططات التنمية السياحية الجهوية في اتجاه تقوية وإغناء عرضها من حيث الطاقة الايوائية والتنشيط السياحي والتظاهرات الثقافية والفنية والسياحية .
وبموازاة ذلك فإننا نسجل التقدم الملحوظ في مجال الربط الجوي المباشر كنتيجة لاتفاقية الاجواء المفتوحة " المبرمة مع الاتحاد الاوروبي والتي أتاحت الرفع من عدد الفاعلين وتخفيض التعريفات بما يعود بالنفع على زوار بلادنا وعلى القطاع السياحي الوطني
حضرات السيدات والسادة لقد توخينا أن نضع ثقتنا في الفاعلين كسبيل لانجاح الاوراش التي ننجزها في هذا الميدان وإننا لعلى يقين اليوم بصواب هذا الخيار الذي سنواصل العمل على ترسيخه وتوسيع آفاقه.
غير أنه سيكون من الأجدى الوقوف على ما تبقى من الأشواط التي قطعناها لحد الآن . وفي هذا السياق نود أن نوجه انتباهكم على الخصوص الى ثلاث قضايا تستدعي في رأينا المزيد من الجهد واليقظة .
ففي المقام الأول يجب التأكيد على ضرورة مواصلة الحفاظ على وتيرة انجاز الاوراش المفتوحة بل وتسريعها باعتبارها السبيل الامثل لبلوغ الاهداف المرسومة فيما يتعلق بقدرات بنيات الاستقبال .
ومن هنا يأتي الحاحنا على استمرارية هذه الدينامية دون تراخ أو تراجع وعلى ضرورة إنجاز المشاريع التي يتولاها المتعهدون الخواص والمندرجة ضمن اتفاقيات مع الدولة في أحسن الآجال حسب المواعد المتعاقد عليها .
ويتعين أن تشمل هذه الدينامية أيضا مجال السياحة الداخلية التي نوليها عناية خاصة لكونها تمثل مؤشرا مهما عن مستوى رفاهية مواطنينا ووسيلة ناجعة كفيلة بتمكين المغاربة من حقهم في التعرف على بلادهم والاعتزاز بثرواتها وتنوعها الحضاري والثقافي المتميز. كما ينبغي, في هذا الاطار, تسريع ودعم " مخطط بلادي " الهادف الى بناء عدد من المحطات السياحية المتلائمة مع سياحتنا الداخلية .
وفضلا عن هذا البعد الكمي لطموحنا فإننا نؤكد على ضرورة ضمان جودة المنتوج والعرض والبيئة السياحية . ومن هذا المنطلق ندعو جميع الفاعلين الى التحلي باليقظة وعدم الاعتقاد بأن الاكتفاء بتوفير البنيات والتجهيزات التحتية فقط مهما كانت متطورة وعصرية كفيلة بكسب رهان التنمية السياحية .
ذلكم أن هذه التنمية ترتكز أساسا على الالتزام والمهنية من لدن النساء والرجال الذين يضطلعون بها وعلى كفاءتهم وجودة تكوينهم وكذا على التدبير الناجع للموارد البشرية للقطاع . كما أنها تتحقق أيضا عبر الحكامة الجيدة للسياحة الوطنية من خلال تعبئة كل الجهود والطاقات لخدمة وارضاء السياح الذين يختارون بلادنا وجهة لهم.
وأخيرا فإننا نؤكد حرصنا على أن تظل السياحة المغربية ,كما كانت دوما , سياحة أصيلة نظيفة ومسؤولة وهو ما يشكل مطلبا أساسيا أكثر منه مجرد طموح .
سياحة أصيلة تستمد أصولها من تاريخنا وتقاليدنا العريقة وتحقق تطورها وانفتاحها في تناغم تام مع قيمنا الحضارية . وكما ذكرنا بذلك غير ما مرة فان السياحة في معناها النبيل تتعالى عن اختزالها في مجرد نشاط اقتصادي فاقد لكل معنى إنساني, ذلك أنها من منظورنا هي بالاساس جسر تواصل بين الشعوب والحضارات وقناة للتمازج الانساني والتلاقح والتفاعل الثقافي كما أنها انفتاح واع على الغير وعلى الحداثة .
سياحة نظيفة ومسؤولة تحترم الانسان وتحافظ على الطبيعة والبيئة وتراعي القواعد والقوانين المنظمة لها وتضطلع بها مقاولات سياحية مواطنة .
حضرات السيادات والسادة من خلال هذه الاعتبارات يبرز حجم الجهود التي يتعين بذلها خلال الفترة التي تفصلنا عن أفق رؤية2010 إن لم نقل إن طموحنا يتجاوز هذا الافق واهدافه .
ولهذه الغاية فاننا نهيب بحكومة جلالتنا وبكل الفاعلين والمهنيين لفتح ورش "رؤية2020 للسياحة المغربية", وفي هذا السياق ندعو الجميع للعمل على إنهاء انجاز الدراسات المعمقة وتحديد خيارات اعداد التراب ذات الصلة وفتح الحوار بين مختلف المتدخلين قبل سنة2009 وذلك حتى يتسنى لبلادنا خلال سنة2010 ابرام العقد - البرنامج الجديد لرؤية2020 للسياحة المغربية .
وإننا لنتطلع إلى أن تتبلور هذه الرؤية الجديدة في استمرارية تجربة السنوات الست المنصرمة وعلى ضوء الدروس المستخلصة منها مع السهر على ضمان تكامل وانسجام أكثر قوة بين القطاع السياحي الوطني وبين غيره من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية ولاسيما منها الصناعة التقليدية والثقافة والفلاحة والموارد الطبيعية .
وفقكم الله وسدد خطاكم وكلل بالنجاح أعمالكم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".