أربك الاختراق الإيجابي الذي أحدثته المبادرة المغربية للتفاوض من أجل حكم ذاتي لجهة الصحراء, حسابات كل الذين يريدون الإبقاء على المأزق الذي دام أزيد من ثلاثة عقود, فيما مساعي الأمم المتحدة, التي تنسجم وروح المبادرة المغربية, تتوخى البحث عن حل سياسي ونهائي م
فبقدر ما راعت المبادرة المغربية الطابع الديمقراطي في استشارة السكان المعنيين من خلال المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية الذي يعكس التمثيلية والمشاركة الواسعة لمكونات المجتمع الصحراوي, بقبائله ومنتخبيه ونسائه وشيوخه وشبابه وشرائح المجتمع المدني, وبقدر ما كانت المبادرة خلاصة نقاش ديموقراطي مفتوح شاركت فيه الأحزاب السياسية والمؤسسات الدستورية التي أضفت على المبادرة مشروعية ديمقراطية, بقدر ما عجزت الأطراف الأخرى عن تقديم أي شيء . و لملء خوائها المدوي, دبجت أفكارا عفا عليها الزمان أطلقت عليها صفة اقتراح.
ومصدر هذا العجز وذاك الخواء, ليس فقط في افتقاد البوليساريو لأي تمثيلية ديموقراطية وفي تغييب دور السكان المحتجزين قسرا في تيندوف جنوب الجزائر, ولكن لأنه لا يوجد لديها أصلا أي تصور للخروج من المأزق. وكيف يتأتى لها ذلك وكيانها ككل مبني على قرار جزائري صرف يرسم لها مربعا تتحرك في نطاقه.
لذلك فقد كان طبيعيا ألا يعير المجتمع الدولي أي اهتمام لمن راهن على تأبيد المأزق.
غير أن الأخطر ليس الإيهام بوجود شئ اسمه اقتراح بوليساريو, ولكن الخطورة تكمن في ما يمكن أن يترتب عليه من مضاعفات سلبية. فبعد أن عجزت الجزائر عن تسويق فكرة التقسيم الموءودة أمام صلابة الوحدة, لجأت الآن إلى محاولة التشويش وتقسيم السكان.
فأمام وعي وضغط السكان الوحدويين الذين يشكلون الأغلبية العددية والفكرية والتمثيلية الديمقراطية, الذين ارتضوا صيغة الحكم الذاتي خيارا وحيدا لإنهاء التوتر وجمع الشتات وتغليب قيم الوحدة والانفتاح والمشاركة الواسعة في إدارة شؤونهم المحلية وفق معايير الحكم الذاتي الذي ثبتت فعاليته في جلب الرخاء والاستقرار, ذهبت الجزائر في اتجاه التلويح بورقة الأقلية الانفصالية التي يفترض أن تذعن للقرار الديمقراطي.
والأدهى أنها لم تستشر أحدا لأنها تعتبر بوليساريو مجرد أداة لتنفيذ مخططاتها في الهيمنة والإبقاء على التجزئة وتسويق الأوهام.
وإذ يعلن بتر فان فالسوم الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة أن الجزائر كان لها دائما دورا أكبر في قضية الصحراء منذ عام1975 , فإنما يضع اليد على مكان الجرح النازف, ويلتقي في ذلك مع الأصوات الحكيمة التي صرحت مرارا بأن نزاع الصحراء خلاف جيوسياسي بين الجزائر والمغرب. ولم يكن لهذه الأصوات أن ترتفع بصراحة غير معهودة لولا أنها لامست الإشكاليات الحقيقية التي تغذي جذور التوتر المفتعل.
هذه المعطيات هي في أساسها الثمار الأولى للمبادرة المغربية التي مكنت المجتمع الدولي من قياس درجة التعاون بالأفعال الملموسة.
ولذلك لا يمكن حصر الأثر البالغ الذي أحدثته المبادرة المغربية في النطاق القانوني الذي يجعل مجلس الأمن الدولي يخلص إلى حض الأطراف المعنية على الدخول في مفاوضات. بل يشمل هذا الأثر الأبعاد الاستراتيجية للمبادرة التي تجعل من البحث عن حل سياسي , وللمرة الأولى, مقرونا بوجود أرضية انطلاق اعتبرتها كثير من العواصم العالمية القاعدة المثلى للمساعي الحميدة, والأهم من ذلك أن هذه المساعي أصبحت موكولة للأطراف المعنية.
وإذا كانت المبادرة المغربية تتطلع إلى البحث عن حل سياسي ونهائي متفاوض بشأنه, فإنه من البديهي ألا تكتمل المفاوضات من دون وجود كافة الأطراف المعنية. غير أن جدوى المفاوضات وجديتها, كما حصل في حالات عديدة عبر التاريخ, رهين بتوفر المتحاورين على الأفق السياسي الرحب وعلى الإرادة وحسن النية وامتلاك سلطة اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
كما أنه من البديهي أن أي مفاوضات لا تكون حول شئ تبتت عدم فعاليته وعدم قابليته للتنفيذ كما في مخطط الاستفتاء الذي أضحى شيئا منسيا منذ اليوم الذي أصبح فيه البحث عن حل سياسي الإطار الملائم الذي أقره المنتظم الدولي.
وكما أن المفاوضات تروم المستقبل فإن ميزة المبادرة المغربية هي أنها حل للحاضر والمستقبل, حل يتوخى استبدال التوتر بالتعاون والانغلاق بالانفتاح والديمقراطية بديلا عن استعباد الإنسان والاتجار بمشاعره وآلامه وآماله.