الباحث والأنثروبولوجي الجزائري يتحدث إلىالمغربية

عبد الرحمان موساوي : أبحث عن الظاهر والخفي في العنف الدموي

الأربعاء 25 أبريل 2007 - 08:31

شكلت أحداث العنف، التي شهدتها الجزائر منذ بداية العقد التسعيني من القرن الماضي، مدار اهتمام المثقف والأنثروبولوجي الجزائري، عبد الرحمان موساوي.

الذي خصص لموضوع العنف في الجزائر عدة دراسات ومقالات تُوجت بإصدار كتاب "العنف في الجزائر"، الذي يُعيد شريط الأحداث الدموية، التي عانت منها الجزائر، والتي كلفت أرواحا بشرية تُعد بالآلاف.

لم ينهج الكاتب في مؤلفه الذي قدمه، أخيرا، بالرباط، الأسلوب التقليدي في وصف هذه الأحداث الدموية، بكل انعكاساتها المأساوية على المجتمع الجزائري، بل حاول الغوص في عمق أسبابها، معتمدا مقاربة أنثروبولوجية أسعفته في تحليل الظاهرة من كل جوانبها الظاهرة والخفية.

يرفض المؤلف الحديث عن حرب أهلية، أو عن عنف أصولي يستمد مبرراته من أسلمة أو إعادة أسلمة المجتمع، ويستثني في تحليله للعنف العامل الاقتصادي، باعتبار أن الفوارق الاجتماعية لا تشكل دائما العامل الحاسم الذي يُفجرالعنف الدموي، خاصة إذا كانت هذه الفوارق ليست بالقوة، التي بإمكانها أن تولد هذا العنف كالذي شهدته الجزائر.

يُركز الكاتب، كما أكد على ذلك أثناء تقديمه للكتاب، على العامل »التاريخي« للأحداث الدموية، التي شهدتها الجزائر في الفترة ما بين 1992 و2000، ويعود بنا إلى المرجعية الأساسية، مرجعية حرب التحرير المفعمة بالدلالات الرمزية، إذ الشهادة في سبيل تحرير الوطن هي الأساس، الذي تستند إليه الطبقة الحاكمة في تبرير أحقيتها في الحكم، والشهادة في سبيل تحرير الوطن، تُعتبر المحرك الأساس للثورة والتمرد.

الشهادة والموت في سبيل الوطن هي صانعة التاريخ الجزائري، ولا غرابة أن تركز الطبقة الحاكمة وعموم المواطنين على رمزية الاستشهاد في سبيل الوطن، فلا تكتمل جزائرية الجزائري إلا إذا أثبت أنه قام بالواجب في تحرير البلاد، وأنه قدم شهداء في سبيل ذلك.

ويتباهى قادة الجزائر بأنهم إما شاركوا في حرب التحرير أو ينتمون إلى عائلات انخرطت في هذه الحرب، ويصنعون شجرة عائلة لتكريس هذه الرؤية، فكأن التوفر على شهيد داخل شجرة الأنساب يشكل عنصرا أساسيا للانتماء إلى الوطن ولاكتساب الشرعية للحكم.

إن الإحالة إلى حرب التحرير تُؤطر خطابات السياسيين، وأطفال المجاهدين لهم مكانة متميزة في المجتمع الجزائري.

وتتخذ الثقافة السياسة السائدة في المجتمع الجزائري رمزية الشهادة والموت لشن الحرب ضد الآخر المتغرب.

هذه الرمزية هي التي تبنتها الجماعات المسلحة في الجزائر، من خلال تأكيدها على استعدادها للموت والاستشهاد ليتحول أفرادها إلى شهداء، إنها تشن حربا ضد السلطة ورموزها، فبدأت بممثلي السلطة ثم بالمثقفين.

إن السياسة، حسب موساوي، اتخذت لها الدين مرجعية، ويخلص في تحليله للعنف الدموي في الجزائر، إلى أن السبب الخفي المحرك لهذه الأحداث هو نداء القلق الذي يطلقه أفراد يريدون أن يعيشوا سويا في مجتمع واحد، لكن بشكل مختلف.

٭ كيف جاءت فكرة تأليف كتاب حول العنف في الجزائر؟

انطلقت الفكرة، أولا، من خلال تساؤلات طرحتها على نفسي كمواطن يرى بلده دخل دوامة من العنف ولا يفهم أسبابها ودواعيها، لم تكن رغبتي في البداية هي تأليف كتاب، بل كنت أريد أن أبلور موقفا شخصيا، كمثقف، من موضوع العنف كانت هناك رغبة في التعبير عن موقف ثم شيئا فشيئا، وفي كل مرة، خاصة في بعض المحطات كالانتخابات البلدية أو التشريعية، كنت أواجه أشياء تطرح مشاكل بالنسبة إلي، كما تطرح علامات استفهام، ركبني الفضول لمعرفة ما يقع واستيعاب كنه تلك الأحداث.

وعند نشوب العنف بالدرجة، التي لم نكن نتوقعها، في هذه اللحظة، كنت أجد نفسي في لقاءات وندوات، في مواجهة أسئلة تطلب تفسيرا لما يقع، ولم أكن أتوفر على تفسير أو شرح، ولهذا خامرني إحساس بالواجب في التفكير بطريقة صارمة، خاصة وأنه كانت لدي أسئلة من طرف أشخاص يريدون فهم ما يقع، أو كانت لديهم أفكار غير مناسبة، ولم أكن قادرا، دائما، على إقناعهم عن طريق الحدس أو المعرفة غير المتخصصة وغير الدقيقة
ثم تحول ذلك إلى مشكل حقيقي بالنسبة إلي، وكانت رغبتي هي أن أعثر على حل، لم أكن أفكر سوى في أعمال التعذيب والمجازر وأعمال التقتيل، ووجدت نفسي مضطرا إلى إيجاد وسيلة لأتحرر من حيرتي، لكن لم أكن قادرا على ذلك، ومن أجل وضع حد للتعذيب، الذي كنت أحس به، قررت أن أكتب، وأؤلف كتابا لتقديم قراءة ثابتة وصلبة ومتجانسة لأفكاري، وعرضها للنقاش مع الجميع، وليس فقط مع الجزائريين.

٭ ما هي النتائج والاستنتاجات العامة التي توصلتم إليها في كتابكم؟

- النتيجة العامة الأولى، هي أن العنف كان يعني وجود خلل أوعطب في الخطاب، لم تكن هناك إمكانية التوافق حول الأمور والقضايا وحول »الشفرات« التي كانت سائدة في الجزائر، إلى ذلك الحين.

لم يكن المواطنون يؤمنون بشيء اسمه المشروع المجتمعي، ولم تكن للناس الرؤية نفسها للعالم، كان ثمة من يعتقد أنه متغرب (خاضع لثقافة وقيم الغرب)، وبين من يرفضون هذا التغرب، ويعتقدون أنه يحق لهم أن يتصرفوا في ممتلكات وخيرات الجزائر بحكم أنهم شاركوا في حرب التحرير، ومن يعتقد أنهم أكثر فائدة للمجتمع بالنظر إلى تكوينهم التقني.

كان هناك خلاف جعل العنف شيئا ضروريا لإرجاع الأمور إلى نصابها هذه هي المسألة الأولى، النتيجة الثانية التي توصلت إليها، تتجلى في أن حدوث هذا العنف يؤشر إلى أنه ما زالت لدينا أشياء وأمور كثيرة تستوجب أن نتحدث حولها في ما بيننا جميعا .

لو لم يكن المتورطون في العنف لا يؤمنون بالجزائر وغير متشبثين بالوطن، لم يكن ذلك ليقودهم إلى التواجه في ما بينهم، ولو لم يكن هذا أو ذاك لا يؤمنون بالدين، ولهذا تحدثت عن مركز نشيط، لم يكن الناس ليتعبأوا للموت، ولم يكن للآخرين، أيضا، أن يتواجهوا معهم في الساحة نفسها.

إذن كانت هناك أشياء تحتاج إلى أن تتحدث بشأنها الأطراف جميعا فالعنف، في رأيي، كان ناتجا عن عدم التمكن من توحيد الرؤية إلى الأمور، وهذا العنف هو إحدى الطرق للقول : نعم نريد أن نكون معا ونعيش في المجتمع نفسه تقريبا بالرغم منا، لكن بشكل مختلف.

٭ كيف تفسرون سيادة أعمال العنف في مناطق مختلفة من العالم العربي والإسلامي؟

- لا أريد أن أضطلع بمهمة التنظير في شيء لا أضبطه جيدا لقد تحدث »برتران بادي« عن دولتين، ولدي الانطباع أننا في العالم العربي لدينا دول مُتوهمة : لدينا برلمان ومؤسسات، وكل ذلك مؤسس على مقومات الدولة العصرية، لكننا في الواقع، نعيش المسألة السياسية بطريقة مختلفة، وهذا يتضح أكثر بالنسبة إلى بلدان الشرق الأوسط.

من النادر جدا أن تجد بلدا عربيا يعرف برلمانا منتخبا، وفي الوقت نفسه حينما نزور بعض الدول العربية كسوريا والكويت نرى أن الديوانية والمضافة تلعب دورا سياسيا أكثر أهمية، وهي فضاءات خاصة، الشيء نفسه ينطبق على شيوخ الزوايا، وفي الوقت ذاته، هناك شيزوفرينيا على مستوى الدولة المركزية التي، في مناخ جيو- سياسي معين، تتعامل وكأنها تعيش انسجاما بين الإيديولوجية والواقع، وهناك شيزوفرينيا على مستوى الناس والمجتمعات، إذ يبدو وكأن المجتمعات هي التي تفرض على الدول أن تُعرف وتحدد نفسها، مثلا الدين يُسخر بشكل ممنهج، كأداة إيديولوجية من طرف الدول، لكن هذه الدول نفسها تضطر، في الواقع، إلى التعامل مع واقع لائكي في وظيفته.

المواطنون الذين يطمحون إلى واقع معيشي أفضل بحكم أنهم في وضعية اقتصادية واجتماعية صعبة يجدون أنفسهم في موقع الإهانة والإذلال، وسرعان ما فسروا ذلك بهذا التناقض، خاصة أن الخطاب السائد في الداخل يتأسس على تعظيم الدين، بينما هناك سلوك مغاير على المستوى الخارجي.

المجتمعات تعيش أوضاعا اقتصادية صعبة رغم توفر البترول، لكن هذه المادة التي تشكل ثروة ضخمة يقع تدبيرها من طرف الغرب، وهذا ما نراه جليا في العراق، الدول الغنية التي كان بإمكانها أن تصبح ذات قوة ونفوذ لا تعمل شيئا في هذا الاتجاه، بل العكس هو الحاصل، لدينا الانطباع أن الجيوش في الدول العربية تقوم بمهمة التضييق على المواطنين وليس للدفاع عن نفسها من خطر خارجي.

هذا يخلق رغبة في تصحيح الأشياء، وهذا لا ينطبق فقط على الدول العربية، فأينما أحس الإنسان بالظلم والإهانة، فإنه يرغب في تغيير الأشياء.

٭ الدين يُستخدم كثيرا لتبرير العنف، هل هناك فعلا ما يسوغ العنف في الإسلام؟

- الدين يوظف كثيرا في أعمال العنف لأنه قالب مشترك للجميع، وحتى الذين يصرحون أنهم لائكيون أو ملحدون في خطاباتهم، يعودون، كثيرا إلى الدين في واقعهم الاجتماعي وممارساتهم اليومية.

الدين يشكل القاعدة لمعاملاتنا وسلوكاتنا، إنه جزء أساسي من ثقافتنا، ولهذا السبب فإن الناس، حتى غير المتدينين أو المعارضين للدين، يمارسون الطقوس نفسها التي يمارسها المتدينون، فحينما يتوفى شخص، على سبيل المثال، يقوم أفراد المجتمع بالطقوس الدينية المتعلقة بغسل الميت ودفنه، على الطريقة الإسلامية، الجميع يقوم بهذه الطقوس المتجذرة في موروثنا الثقافي .

إن ثقافتنا تقوم في جزء كبير منها على الدين إن اعتماد تحية السلام التي ينطق بها الجميع في المجتمعات العربية والإسلامية تعتبر طقسا دينيا إن الدين متجذر في ثقافتنا
فسلوكاتنا وتصرفاتنا مطبوعة بطابع الطقوس الدينية.

إنها قاعدة مشتركة، ولذلك فاستعمال الدين في خطابنا هو مسألة مقبولة ومستساغة من طرف الجميع.

الدين له طاقة على التعبئة، ولقد »منهج« الثورة والتمرد ومنحهما أهدافا نبيلة، كما أرسى قواعد وأهداف الجهاد، وأصبح للجهاد تاريخه وقياده، إن ملاحم العرب غذت المخيلة العربية والإسلامية.

فالإسلام يقدم آليات التعبئة، لأنه شيء مشترك من طرف الجميع، إنه يمثل طاقة تعبوية هائلة .




تابعونا على فيسبوك