شباب حي الفرح تطوعوا لمطاردة الانتحاريين

عبد الكبير أعتقد أنه استارسكي ونسي أنه مجاز يبحث عن عمل

الجمعة 13 أبريل 2007 - 09:24

قدم عدد من شباب حي الفرح مجموعة من الخدمات لسكان المنطقة، ولرجال الأمن وأعوان السلطة، إبان عملية مطاردة الانتحاريين يوم الثلاثاء المنصرم، لإلقاء القبض عليهم قبل تفجير أنفسهم، وتجنب وقوع خسائر بشرية وسط المواطنين.

وتابع جمهور عريض أطوار عملية مطاردة رجال الأمن للانتحاريين باستعمال المسدسات، موازاة مع شباب المنطقة المتحمسين لتعقب تحركات الإرهابيين، حاملين العصي، مشمرين على سواعدهم استعدادا لضبط أي متسلل منهم.

عبد الكبير، أحد الشباب الذي ظل طيلة يوم الثلاثاء متأهبا لتقديم أي مساعدة، إلى جانب صديقه أمين الملقب بـ "الأسمر"، إذ استفاق عبد الكبير على صوت طلقات الرصاص على شاكلة الأفلام الهوليودية، تزامنا مع سماعه لآذان الفجر .

فدفعه فضوله لمعرفة مصدر الصوت وأسبابه، فهب خارجا من بيت والده في حي الفرح، عندها سمع صوتا مدويا على غير المعتاد، ليكتشف أن انتحاريا فجر نفسه بعد مداهمة رجال الشرطة شقة كان يختبئ فيها ومجموعة أخرى من الإرهابيين. خرج عبد الكبير للمساعدة على إلقاء القبض على المنتحرين، فالتقى بصديقه أمين، وعزما على مرافقة رجال الأمن في رحلة التفتيش عن الانتحاريين في أدراج العمارات، فتسلق عبد الكبير سطوح المنازل، وعينه مركزة على كل الجوانب، والزوايا الخفية، التي يحتمل أن يتحصن فيها الهاربون.

شعر عبد الكبير في تلك اللحظة أنه تحول من شاب مجاز في الحقوق عاطل عن العمل إلى »استارسكي« يتوجب عليه إلقاء القبض على المبحوث عنهم قبل تفجير أنفسهم، وهو يجري ويركض ويتسلق الجدران، وتارة يصيح مخبرا عناصر رجال الأمن وهو يقول »راهو راهو، داز من هنا، داز من هنا«، وتارة أخرى، ينادي على الانتحاري مطالبا إياه بتسليم نفسه، فيسمع منه جوابا قاسيا لا يخلو من تهديد، مطالبا إياه بالرحيل عنه قبل أن يفجر نفسه بمعية باقي رفاقه بالقرب منه. بعد أن طوق المكان برجال الأمن، عمل عبد الكبير وأمين، بترتيب مع المسؤولين الأمنيين، على حث السكان على إغلاق نوافذهم وإخلاء بيوتهم، لتكثيف عملية البحث عن الفارين، وظلا متأهبين يراقبان النوافذ ومخارج الدور، تحسبا لمحاولة تسلل أي من الفارين.

لم يعد عبد الكبير، البالغ من العمر 25 سنة، إلى بيته لتناول وجبة الإفطار مع والده، واكتفى بالاتصال به عبر الهاتف ليطمئنه على أحواله، كما تخلف عن موعد ذهابه إلى الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات بغرض معرفة مآل ملف بحثه عن شغل، ولم يبرح المكان، رغم الهدوء النسبي الذي عاد إلى المنطقة، إذ ساد الفضاء الحيطة والحذر اللذان كانت تتخذهما الجهات المسؤولة.

حوالي الرابعة، ظهر شخصان يخرجان من أحد منازل الزنقة 38، فمر بالقرب منهما شاب يسوق دراجة نارية، فظن أحدهما أن الأمر يتعلق بمطاردة أمنية جديدة، وأن أمرهما افتضح، ففجر نفسه، في حين هب الثاني هاربا فتعقبه أمين وضربه بالعصا التي كان يحملها، لكنه تمكن من العودة إلى المنزل من حيث خرج .

تشبث أمين بمطاردته للإرهابي، وأخبر رجال الشرطة بنيته، وأخبر عبد الكبير أنه مستعد للتضحية من أجل إيقافه، لأن الإرهابي استفزه، خصوصا وأنه تعرف على ملامحه، وظلت البذلة الرياضية السوداء التي كان يرتديها لا تفارق مخيلته .

في هذه الأثناء، هم عبد الكبير بمساعدة رجال الأمن على وضع الحواجز لإبعاد المواطنين الحاضرين بكثافة إلى مسرح الجريمة، وإقناع الناس بالابتعاد عن مكان الانفجار، وحث الصغار وبعض الشباب على التخلي عن شغبهم، خصوصا وأنه وجه مألوف لديهم باعتباره مدربا لكتاكيت فريق الحي لكرة القدم.

ظهر عبد الكبير يجر الحواجز الحديدية، ويخرجها من شاحنة، بكل شجاعة وحماس، معتمدا على قامته الطويلة وبنيته القوية التي ساعدته على بنائها رياضة كمال الأجسام، مفتخرا بما يقدمه من مساعدة للسكان فداء لغيرته على وطنه. كان عبد الكبير يتحرك بخفة بالقرب من الصحافيين، تارة يذهب لجلب الماء للأشخاص الذين غلبهم الظمأ من فرط الانتظار، وتارة أخرى يحملق في سطوح المنازل التي يحتمل أن يكون الانتحاريون متحصنين فيها.

وبعد أن تسلل الانتحاري الثالث من بين المواطنين قصد رجال الأمن وفجر نفسه، لكن لم يفقد عبد الكبير وأمين الكثير من صلابتهما، بل ظلا يحتفظان برباطة جأشهما رغم الصدمة العنيفة التي أصابتهما لكون الانتحاري خرج من وسط المتجمهرين، ولتخيلهما لحجم الكارثة لو فجر الانتحاري نفسه وسط عموم المواطنين.

وفي الوقت الذي هرب الناس ذات اليمين وذات الشمال، خوفا وهلعا وارتباكا من هول رؤية أشلاء الانتحاري، وتطاير الدماء، ورؤية المصابين يتألمون جراء جراحهم، وهم ساقطون على الأرض، هب عبد الكبير بحمل إحدى الإذاعيات التي أصيبت بجروح، ونساء أخريات أغمي عليهن إلى سيارات الإسعاف التي جاءت على التو إلى المكان، لنقلهم إلى المستشفى.

وظل عبد الكبير وأمين في تسابق مع الوقت للمساعدة على تهدئة روع الناس، وإعادة الحواجز إلى أماكنها بعد أن تجاوزها المواطنون بفعل صدمة رؤيتهم وسماعهم لدوي الانفجار الأخير القوي، دون أن ينتبه إلى الجراح التي أصيبت بها رجله اليسرى بفعل تدافع الناس، وسقوطه على الأرض، إذ نهض وواصل عملية مد قارورات الماء التي تطوع سكان الحي بتوزيعها على المغمى عنهم من النساء والشيوخ والأطفال، علها تهدئ من النفوس التي اهتزت بعد الانفجار.

بعد الثامنة مساء عاد عبد الكبير إلى بيت أسرته، وبالموازاة مع سماعه للثناء من قبل بعض أفراد أسرته، فإن والداه عبرا له عن عمق خوفهما من التعرض للأذية أو الانتقام من بعض الأطراف، كما أخبروه أن فرائصهم كانت ترتجف، إذ كلما سمعوا عبر التلفزيون أو الإذاعة أن انتحاريا فجر نفسه، إلا اعتقدوا أن من عبد الكبير من بين ضحاياه .

استلقى عبد الكبير على فراشه، فلم ينعم بنوم هادئ بفعل الصور التي كانت تظهر بشكل تسلسلي ومتكرر لتفاصيل يوم لم يشاهد فيه سوى صورا مرعبة، دماء وأشلاء، وأعضاء بشرية مرمية ذات اليمين وذات الشمال، وأشخاص مغمى عليهم، ومفتش شرطة قتيل، فأرهقه احتفاظ ذاكرته بمنبهات سيارات الإسعاف، وشاحنات الوقاية المدنية، وضجيج مروحية الدرك الملكي، وصراخ المواطنين.

تمكن عبد الكبير من النوم بصعوبة، واستيقظ في اليوم الموالي على الساعة 9 صباحا وتوجه إلى سوق "قريعة درب السلطان" حيث يوجد صديقه الذي يبيع الثريات، في انتظار فرصة »بريكول« لتركيب هذه الأجهزة مقابل تعويض مادي عن خدمته، في انتظار حصوله على عمل يوافق قدراته الفكرية وشهادته العلمية لأنه حاصل على شهادة الإجازة منذ سنتين من كلية العلوم القانونية والاقتصادية في الدار البيضاء.




تابعونا على فيسبوك