في اليوم العالمي للصحة الذي يخلد هذه السنة تحت شعار "الأمن الصحي العالمي" مازال قطاع الصحة في المغرب يعاني تعثرات مهمة.
تشمل وضعية أغلب المراكز الاستشفائية العمومية المزرية، التي من خلال جولة في بعضها يستشف أن الخدمات لا ترقى إلى المستوى المطلوب، وتزداد حدة الوضعية بالنسبة إلى المواطن البسيط المضطر إلى دفع مستحقات مادية لا تتناسب مع إمكاناته.
يلاحظ أيضا خصاص كبير على مستوى البنيات التحتية، التي لا تلبي متطلبات الراغبين في الاستفادة من الخدمات الطبية في قطاع الصحة العمومية.
إضافة إلى ذلك هناك العديد من المراكز تعاني من نقص إن لم يكن ندرة في الأطر الطبية
ويعتبر تخلي عدد مهم من خيرة الأطباء والممرضين عن مناصبهم في إطار عملية المغادرة الطوعية، ضربة قوية وجهت للقطاع الطبي العمومي، في وقت ما زالت الحاجة إلى خدماتهم كبيرة وملحة.
ويرى متخصصون في القطاع الطبي أن المغادرة الطوعية ضاعفت من حدة أزمات وأوجاع القطاع، مما أدى إلى تباعد مواعيد الفحص والمتابعة الطبية لأغلب الحالات المرضية في المراكز الاستشفائية العمومية.
واعتبر تقرير منظمة الشفافية الدولية »ترانسبرنسي« الذي صدر مؤخرا في برلين تحت عنوان »نهب الملايين من مخصصات الرعاية الصحية الملائمة بفعل مظاهر الفساد المتفشية من السرقة والرشوة والابتزاز« أن القطاع الصحي في المغرب يعرف أشكالا متنوعة من الفساد، فمن بين ألف أسرة شملها التقرير السنوي لعام 2006، اعترف 40 في المائة أنهم قدموا رشوة من أجل الحصول على خدمات طبية يفترض أنها مجانية، في حين قال 59 في المائة إنهم فعلوا ذلك فقط لإجراء فحوصات طبية، بينما قدم 26 في المائة رشوة للحصول على العلاج.
وأشار تقرير المنظمة إلى عوامل الفساد المتغلغلة في أنظمة الرعاية الصحية، منها هدر ميزانية الصحة، وإخضاعها للمصالح الخاصة، ثم مطالبة بعض العاملين في القطاع برسوم مقابل أدائهم لبعض الخدمات الطبية، كما ذكر التقرير ببعض الانحرافات المسجلة في سوق الأدوية وبيع العقاقير، إضافة إلى قلة المستلزمات الطبية المستعملة في العمليات الجراحية كالبنج والخيط والإبر، و(الأنترنيل) التي تستعمل في تمرير (السيروم) إلى المصابين في حوادث السير وكذا الأدوية المتعلقة بأمراض القلب والضغط الدموي، والأنسولين بالنسبة إلى المصابين بالسكري، وغيرها من المواد الضرورية التي توضع بسببها أحيانا حياة المريض بين الحياة والموت.
وأشار التقرير، الذي أنجز اعتمادا على تحليل قامت به "ترانسبرنسي" حول وضعية الصحة العمومية والذي شمل 45 بلدا، إلى أن المغرب تتفشى فيه مظاهر الفساد في القطاع الصحي، أولها الرشوة، وصعوبة الولوج إلى المرافق الصحية، ثم ضعف التغطية الصحية.
واهتم التقرير كذلك بالإشارة إلى أن الفقراء والطبقات المهمشة تعتبر أول متضرر، خاصة عند رفض اعتماد »شهادة الضعف« أو ما يسمى لدى عموم المواطنين بـ"ورقة الاحتياج" وإرغام المرضى ولو كانوا معوزين على أداء"رسوم" العلاج وقد تكون مبالغ لا تتجاوب مع إمكانياتهم المالية.
وشدد التقرير على هزالة الميزانية المرصودة لقطاع الصحة العمومية بالمغرب، ففي سنة 2004 بلغت الميزانية 6 ملايير و200 مليون درهم، 82 في المائة رصدت لأجور الموظفين.
وأوصى التقرير بأولوية تحديد استراتيجية صحية فعالة ومتوافق حولها من مختلف الفاعلين المهنيين والسياسيين، وبضرورة تحقيق العدالة والمساواة في الوصول إلى الخدمات الصحية من خلال تغطية صحية شاملة، مع ضمان الحماية القانونية لكل مشتكٍ من الوضع المتردي داخل المنظومة الصحية المغربية.
وتشكل النتائج التي انتهى إليها تقرير منظمة الشفافية الدولية حول واقع قطاع الصحة العمومية في المغرب، نوعا من المفاجأة للفئات الفقيرة والمتوسطة التي تتردد باستمرار على المستشفيات الحكومية، والتي لم تقرر، بل فرض عليها، نظرا لظروف عيشها الصعبة وقلة مواردها المادية، التعايش مع ما تعتبره فسادا متزايدا بهذا القطاع الحيوي.